اسماعيل بن محمد القونوي
351
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ومن خلفهم من قبل الدنيا ) لأنهم يخلفونها فهي في خلفهم . قوله : ( وعن إيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم ) يعني أن الإيمان كناية عن الحسنات والشمائل عن السيئات . قوله : ( ويحتمل أن يقال من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه ) أي من بين أيديهم كناية عن ذلك إذ كون الشيء بين أيديهم يستلزم العلم بذلك وهو يستلزم التحرر . قوله : ( ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون ) لأن الواقع في الخلف لا يتعلق به العلم . قوله : ( وعن ايمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ) إذ اليمين مما يتيسر به الفعل والشمال عكسه فيكون الإيمان كناية عن التيسر والشمائل عن عدم التيسر . قوله : ( ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ) أي لم يتحرزوا لعل اطلاق الكلام قوله : من حيث يعلمون ويقدرون التحرز عنه ومن خلفهم ومن حيث لا يعلمون ولا يقدرون مناسبة القدام للعلم وقدرة التحرز ومناسبة الخلف لعدم العلم وعدم التحرز ظاهرة وكذا مناسبة الايمان والشمائل للعلم والتحرز وأما حكماء الإسلام فقد ذكروا أن في البدن قوى أربعا هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية فإحديها القوة الخيالية التي تجمع فيها مثل المحسوسات وصورها وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها وإليه الإشارة بقوله من بين أيديهم والقوة الثانية الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ وإليه الإشارة بقوله من خلفهم والقوة الثالثة الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن والقوة الرابعة الغضب وهي موضوعة في البطن الأيسر من القلب فهذه القوى الأربع هي التي يتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين ما لم تستغن بشيء من هذه القوى لم تقدر على القاء الوساوس فهذا هو السبب في تعين هذه الجهات الأربع وهو وجه تحقيقي شريف ونقل عن شقيق أنه قال ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن يساري أما من بين يدي فيقول لا تخف فإن اللّه غفور رحيم فاقرأ : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [ طه : 82 ] وأما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فاقرأ : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] وأما من قبل يميني فيأتيني من قبل الثناء فأقرأ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [ سبأ : 54 ] وروي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا يا آلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع فأوحى اللّه تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفر له ذنب سبعين سنة . قوله : ولكن لم يفعلوا هذا على سبيل المعنى مستفاد من قوله : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ