اسماعيل بن محمد القونوي

225

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

يقولوا رؤية اللّه تعالى ممتنعة لنفيه تعالى بقوله الأعلى لا تدركه الأبصار ولأن ما يمدح بعدمه يكون وجوده نقصا يجب تنزيه اللّه تعالى عنه وتارة استدلوا به على عدم وقوعها لأن الأبصار إنما يتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات واقتصر المص على الامتناع لأنه مشهور وأجاب بالوقوع تارة بإبطال عدم فيكون فيه ح صنعة الاحتباك وتارة بإبطال الامتناع بقوله مع أن النفي لا يوجب الامتناع والامتناع في قوله تعالى : لَمْ يَلِدْ [ الإخلاص : 3 ] إنما هو بدليل خارجي كما مر تفصيله آنفا وقيل والحق في الجواب كما دلت عليه الأحاديث أنه لا يرى بأعمال الحاسة وإنما يرى بقوة يخلقها اللّه تعالى بمحض قدرته في العبد وفيه خفاء إذ إشكال المعتزلة كما مر أن الابصار إنما يتعلق بما كان في جهة ولا يندفع هذا الإشكال به وأيضا النزاع في الرؤية بعين الرأس وقد قيل في تفسير الآية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] في الدنيا وهو يرى في الآخرة ويخدشه أن نبينا عليه الصلاة والسّلام رأى بعين الرأس في ليلة المعراج وإن اختلف فيه . قوله : ( لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية ) أي سواء كان على وجه الإحاطة والوصول إليه أو لا بل الإدراك عبارة عن الإحاطة بالشيء كما أشار إليه أولا بقوله لا تحيط به ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام فإن أردتم بقولكم لنفيه تعالى نفي الرؤية بخصوصها فلا نسلم الصغرى والسند ما مر وإن أردتم به في الإدراك مطلقا فلا نسلم الكبرى . قوله : ( ولا النفي في الآية عاما في الأوقات ) أي سلمنا أن الإدراك مطلق الرؤية لكن لا نسلم عموم الأوقات . قوله : ( فلعله مخصوص ببعض الحالات ) كالاستغراق في استيفاء اللذات الجسمانية وإذا جاز كونه مخصوصا ببعض الحالات ظهر جواز كون النفي مخصوصا ببعض الأوقات فالفاء في فلعل للتعليل لا للتفريع . أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات ثم كلامه هذا رد على أهل السنة أبلغ رد لأنه يفيد أن الأبصار لا يتعلق به لا بالإحاطة ولا بغير الإحاطة فإن أهل السنة قالوا بالثاني دون الأول قال الزجاج معنى هذه الآية نفي إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته وهذا مذهب أهل السنة لأن أحدا من خلقه لا يدرك المخلوق بحقيقته بكنهه فكيف به جل جلاله فالإبصار لا يحيط به وقال الإمام المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده سمي إدراكا فالحاصل أن الرؤية جنس تحته نوعان رؤية مع إحاطة ورؤية ليست معها إحاطة فنفي الإدراك يفيد نوعا واحدا وهو لا يفيد نفي الجنس وقال الواحدي رحمه اللّه يصح أن يقال رآه وما أدركه فالأبصار ترى الباري سبحانه ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به وقال الإمام هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية لم قلتم أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وفي كل الأحوال بلى نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير وعموم النفي غير وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص ومحصول ما ذكره المص ههنا بقوله لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عاما هو ما قرره الإمام .