اسماعيل بن محمد القونوي
126
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أي وما أنا في شيء من الهدى ) أي الاهتداء وقد مر مرارا أن مثل هذا التأكيد النفي بأن يلاحظ النفي أولا ثم التأكيد ثانيا لا لنفي التأكيد بأن يلاحظ أولا التأكيد ثم النفي ثانيا وفيه فساد المعنى قال المص في تفسير قوله تعالى : لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] واللام فيه للعهد أي ممن عرفت حالهم في سجني فإنه كان بطرحهم في هوة عظيمة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك انتهى وكذا الكلام هنا نبه عليه المص بقوله حتى أكون من عدادهم والمعنى هنا إن اتبعت أهواءكم ضللت مثلكم وكنت ممن توغل في الضلال ولا أكون من الاهتداء في شيء مثلكم ومن هذا قال وفيه تعريض بأنهم كذلك أي كناية تعريض لأنه إذا كان من الضالين إن اتبع أهواءهم يلزم أن يكونوا ضالين ولم يكونوا في شيء من الهدى وهو المراد هنا وإنما قال في شيء من الهدى لأن الهدى كلي مشكك تتفاوت أفراده قوة وضعفا فنفى أدنى ما يطلق عليه الهدى عن نفيه وأراد نفيه عنهم ويقرب منه ما قيل إنه يريد أن نفي كونه من المهتدين يستلزم نفي كونه في شيء من الهدى لأن الشخص بأدنى شيء منهم يعد منهم فيكون سلبا كليا لا رفع الإيجاب الكلي . قوله : ( حتى أكون من عدادهم ) أي فأكون الظاهر أنه من قبيل ما تأتينا فتحدثنا ( وفيه تعريض بأنهم كذلك ) . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 57 ] قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ( 57 ) قوله : ( تنبيه على ما يجب اتباعه بعد ما بين ما لا يجوز اتباعه والبينة الدلالة الواضحة ) أي البينة صفة من أبان يبين إذا أظهر والموصوف الدلالة ولذا أنثت . قوله : ( التي تفصل الحق ) أي تميزه ( من الباطل ) وهذا لازم معنى الظهور ولا يريد معنى البينونة من بينه بمعنى الفصل لأنه معنى أصلي لوحظ فيها وإن صارت بمعنى الدليل حتى يقال إنه خلطهما ولا ينبغي خلطهما فعلم من هذا البيان أن الدلالة بمعنى الدليل . قوله : ( وقيل المراد بها القرآن ) إذ هو ما به البينة أو ما به التبيين أو المبينة أو البينة نفسها مبالغة وتأنيث البينة على هذا لتأويله بالآيات قوله ( والوحي أو الحجج العقلية أو ما يعمها ) من عطف العام على الخاص إذ الوحي أعم من الوحي المتلو وغير المتلو مرضه إذ قوله : أي في شيء من الهدى معنى الاستغراق مستفاد من صرف المبالغة المدلول عليها بقوله : مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ الأنعام : 56 ] وباسمية الجملة على مبالغة النفي لا على نفي المبالغة والمبالغة في الكلام قيد له فإذا وجد قيد في الكلام المنفي قد يقصد به نفي القيد وقد يقصد قيد النفي بحسب اقتضاء المقام . قوله : وفيه تعريض بأنهم كذلك معنى التعريض مستفاد من طريق القصر في وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ الأنعام : 56 ] فيفيد أنهم ضالون لعبادتهم من دون اللّه تعالى واتباعهم أهواءهم .