اسماعيل بن محمد القونوي
88
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بيان تعريف الحمد ثم المراد بعموم الملك وخصوصه عموم متعلقه وخصوصه . قوله : ( وقيل المراد بالملك ) أي الأخيرين ( النبوة ) فتكون اللام فيه للعهد الخارجي قوله : وقيل المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم قال الإمام قوله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] ذكروا فيه وجوها الأول المراد منه ملك النبوة والرسالة كما قال تعالى : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [ النساء : 54 ] قال الإمام فإن قيل فإذ حملتم قوله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] على أبناء ملك النبوة وجب أن تحملوا قوله : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] على أنه قد يعزل عن النبوة من جعله نبيا ومعلوم أن ذلك لا يجوز قلنا الجواب من وجهين الأول أن اللّه تعالى إذ جعل النبوة في نسل رجل فإذا أخرجها اللّه من نسله وشرف بها إنسانا آخر من غير ذلك النسل صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم والجواب الثاني أن يكون المراد من قوله : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] إن تخرجهم ولا يعطيهم هذا الملك لا على معنى لأنه يسلبه بعد أن أعطاه ونظيره قوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط هذا وقد اختار الأول المص من هذين الجوابين وللمعتزلة ههنا بحث قال الكعبي قوله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] ليس على سبيل المجازفة ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به ولا ينزع إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] وقال في حق العبد الصالح : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 247 ] وزاده بسطة في العلم والجسم فجعله سببا للملك وقال الجبائي هذا الحكم مختص بملوك العدل فأما ملوك الظلم فلا يجوز بأن يكون ملكهم بإيتاء اللّه تعالى وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء اللّه تعالى وقد الزمهم أن لا يملكوه ومنعهم من ذلك فيصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المخصوصون بإذن اللّه تعالى آتاهم ذلك الملك فأما الظالمون فلا وقالوا هذا ما قلنا في الرزق أنه لا يحل تحته الحرام والذي زجر اللّه تعالى عن الانتفاع به وأمره بأن يرده على مالكه فكذا ههنا وقالوا وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملك الماضين ونزع الملك يكون بوجوه منها بالموت وإزالة العقل وإزالة القوى والقدر والحواس ومنها بورود الهلاك والتلف على الأموال ومنها بأن يأمر تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب ويؤتيه القوة والنصرة فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى لأنه وقع عن أمره وعلى هذا الوجه نزع اللّه ملك فارس على يد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هذا جملة ما قاله المعتزلة في هذا المقام وأجاب الإمام عن قولهم بأن حصول الملك للظالم ليس بإيتاء اللّه بأن حصول الملك للظالم إما أن يقال فيه أنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب وإنما حصل بايتاء بالأسباب الربانية والأول نفي للصانع والثاني باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة النفيسة ولا يتيسر له البتة فلم يبق إلا أن يقال إن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء اللّه تعالى وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس وتميل إليه القلوب ويكون النصر قرينا له والظفر جليسا معه وأينما توجه حصل مقصوده وقد يكون على الضد من ذلك ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم فإن ذلك ليس إلا بتقدير اللّه تعالى ولذلك قال حكيم الشعراء : لو كان بالحيل الكثير وجدتني * بأجل أسباب السماء تعلقي