اسماعيل بن محمد القونوي
57
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( في استحقاق المغفرة ) « 1 » هذا بالنسبة إلى المذنب قوله ( أو الاستعداد لها ) أي المغفرة بالنسبة إلى من لم يذنب وفيه إشارة إلى أن المراد بالتقوى هنا المرتبة الأولى وحمل بعضهم التقوى هنا على التبتل إلى اللّه تعالى والإعراض عما سواه ولا يلائم قوله : الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا الآية والباعث له وصفهم بالنعوت الآتية لكن الأولى حملها على التحقق في الجملة فيعم جميع المؤمنين فيحسن الحصر المستفاد من تقديم للذين اتقوا على جنات ولو حمل التقوى على المرتبة الوسطى فضلا عن المرتبة العليا لاحتيج في تصحيح الحصر بأن يقال إن المراد أن للمتقين جنات بلا حساب ولا عذاب الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 17 ] الآية هذا وصف للمتقين أي للذين فيكون مجرورا إما صفة مدح أو مخصصة أو صفة للعباد مثل الذين يقولون ويجوز أن يكون بدلا من قوله : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [ آل عمران : 15 ] ومن قوله : الَّذِينَ يَقُولُونَ [ آل عمران : 16 ] . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 17 ] الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ( 17 ) قوله : ( حصر لمقامات السالك ) الخ المراد بالمقام المقام المعنوي الذي لا يتخطاه قوله : حصر لمقامات السالك الخ قال الإمام إن اللّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ربنا إننا آمنا ثم إنهم قالوا بعد ذلك فاغفر لنا ذنوبنا وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة واللّه تعالى حكى عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من اللّه تعالى ثم قال فإن قيل أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله الصابرين والصادقين الخ قلنا بل هذه الآية تؤكد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى جعل مجرد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة ثم ذكر بعدها صفة المطيعين وهي كونهم صابرين وصادقين ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ثم ذكر بعده هذه الصفات علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول كمال الدرجات ذكر ههنا صفات خمسة الصفة الأولى كونهم صابرين والمراد الصبر في أداء الواجبات والمندوبات وفي ترك المحظورات والصبر في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن اللّه تعالى كما قال : إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 156 ] الصفة الثانية الصدق وهو قد يجري على القول والفعل والنية والصدق في القول معروف وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان وترك الانصراف عنه قيل تمامه والصدق في النية أيضا العزم عليه حتى ينحل الفعل الصفة الثالثة القنوت وهو عبادة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها الصفة الرابعة الإنفاق ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه في الزكاة وفي الجهاد وفي سائر وجوه البر الصفة الخامسة الاستغفار بالأسحار قالوا المراد به من يصلي بالليل ثم تبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ذلك فقوله : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [ آل عمران : 17 ] يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل قيد الاستغفار بالأسحار لأن السحر له مزيد أثر في كمال العبودية لما ذكره من كون العبادة فيه أشق الخ .
--> ( 1 ) الاستحقاق بالنسبة إلى الوعد فلا إشكال .