اسماعيل بن محمد القونوي

53

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أي المرجع ) من أب يؤب أي رجع يرجع « 1 » ( وهو تحريض ) وترغيب ( على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية ) أي المقصود من ذلك الخبر الترغيب المذكور الباء في ( بالشهوات المخدجة الفانية ) داخلة على المتروك إذ الاستبدال كالتبدل يتعديان إلى المأخوذ بأنفسهما وإلى المتروك « 2 » بالباء . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 15 ] قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) قوله : ( يريد به تقرير أن ثواب اللّه تعالى ) يعني أن الهمزة للتقرير لا بمعنى حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه بل بمعنى التحقيق والتثبيت لأن كونه خيرا منفهم من قوله : حُسْنُ مَآبٍ [ آل عمران : 14 ] وهذا لتقريره وتأكيده ( خير من مستلذات الدنيا ) والخير إما للزيادة المطلقة أو من قبيل الصيف أحر من الشتاء أو الخير متحقق في مستلذات الدنيا إذا كان على وجه مرضي كما أشار إليه فيما مر آنفا والارتباط بما قبله هو أنه تعالى لما أعلم أن خيرا من زخارف الدنيا عنده من حسن المآب بين في هذه الآية أن ما عنده من حسن المآب لأوليائه المتقين خاصة وخاطب نبيه عليه السّلام بالإخبار لمن له قلب سليم ورشد قويم إظهارا لكمال العناية بذلك تنشيطا للسامعين العارفين إلى الاستعداد التام لذلك الخير والأنعام وتشبيطا عن الانهماك في اللذات الفانية سريعة الانقضاء والإشارة إلى ما ذكر أيضا وجمع كاف الخطاب هنا مع إفراده فيما قبل تنبيها على جواز المسلكين أما الجمع فظاهر لأن المخاطب متعدد مع موافقة الجمع في قوله تعالى : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ [ آل عمران : 15 ] وأما الإفراد فلتأويل الجمع بالقبيلة أو كل واحد أو الخطاب فيما سبق للرسول عليه السّلام وهنا للأمة لا محالة ويؤيده قول من قال والأحسن أن قوله : وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [ آل عمران : 10 ] إخبار لنبيه بما عنده من جزيل الأجر وقوله : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ [ آل عمران : 15 ] أمر له بأن يخبر أمته بما أخبر اللّه به . قوله : ( استئناف ) فحينئذ « 3 » يتم الكلام في قوله : مِنْ ذلِكُمْ [ آل عمران : 15 ] قوله : المخدجة أي الناقصة . قوله : يريد به تقريران ثواب اللّه خير من مستلذات الدنيا ذكروا في متعلق الاستفهام هنا ثلاثة أوجه الأول أن يكون المعنى هل أنبئكم بخير من ذلكم ثم يبتدأ فيقال لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ [ آل عمران : 15 ] كذا وكذا والثاني هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ثم يبتدأ فيقال عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ آل عمران : 15 ] والثالث هل أنبئكم بخير من ذلكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ [ آل عمران : 15 ] ثم يبتدأ فيقال جنات تجري من تحتها الأنهار .

--> ( 1 ) وسيجيء التفصيل في أوائل سورة النساء . ( 2 ) وهذا الأخير هو الملائم لقوله الآتي أدناها متاع الدنيا . ( 3 ) مع أن السؤال على تقدير كون الاستئناف بيانا عن حسن المآب لا لمن هو له .