اسماعيل بن محمد القونوي
51
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ولعله زينه ) جواب سؤال مقدر قوله ( ابتلاء ) أي الحكمة الباعثة للتزيين ابتلاء للعباد وقد مر معنى الابتلاء في سورة البقرة وإن ابتلاء اللّه تعالى من قبيل الاستعارة التمثيلية وحاصله أنه عامل مخلوقه معاملة الممتحن لمن امتحنه . قوله : ( أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه اللّه تعالى ولأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع ) ومن هذا ورد نعم الشهوات إذا وافقت الشرع كالتلذذ بالمرأة الجميلة بالنكاح أو بملك اليمين . قوله : ( وقيل الشيطان ) أي المزين هو الشيطان بناء على عدم تجويز إسناد القبائح إلى اللّه تعالى كما هو مذهب المعتزلة ونسبه الكشاف إلى الحسن فح يكون مراده بأن التزيين بمعنى الحض على تعاطي الشهوات المذمومة لكونه سببا لخلق التزيين من الشيطان وإسناده إليه حقيقة لكسبه ولكن وجوده في الخارج من اللّه تعالى كما عرفته مفصلا وهو معنى اللفظ على مذهب قائله . قوله : ( فإن الآية في معرض الذم ) ولذا قال تعالى : وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [ آل عمران : 14 ] إشارة إلى أن الشهوات فانية ليس لها فائدة ( وفرق الجبائي بين المباح والمحرم ) بناء على مذهبه الكاسد من النساء قدمها لأنها مقدمة على الأولاد في الوجود وقيل لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائل الشيطان ولك أن تقول أو لأنه من تقديم الأهم فبالأهم لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول المصائب وبهذا الاعتبار كانت الأموال أهم ومن هذا قوله : فإن الآية في معرض الذم تعليل لكونه من الشيطان وجه ذلك أن اللّه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذام للشيء يمتنع أن يكون ممن يناله . قوله : وفرق الجبائي بين المباح والمحرم قال تزيين المباح من اللّه تعالى وتزيين المحرم من الشيطان قال صاحب الكشاف المزين اللّه تعالى للابتلاء كقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ [ الكهف : 7 ] ويدل عليه قراءة مجاهد زُيِّنَ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 14 ] على تسمية الفاعل وعن الحسن الشيطان واللّه زينها لهم لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها وقال جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا على الاستماع بها والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمة قالوا خلق اللّه الملائكة عقولا بلا شهوة والبهائم ذوات شهوات بلا عقول وجعلهما في الإنسان فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة ومن غلب شهوته عقله فهو أذل من البهائم وقال الحكماء إن الإنسان قد يحب شيئا ولكن يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يمثل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب أما من أحب شيئا واجب أن يحبه فذاك من كمال المحبة فإن ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه الصلاة والسّلام : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ [ ص : 32 ] ومعناه حب الخير وأحب أن أكون محبا للخير وإن كان في جانب الشر فهو كما في هذه الآية هذا إذا كان المراد بالشهوات المعنى المصدري لا المشتهيات لكن ينافيه بحسب الظاهر بيانها بقوله عز وجل : مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [ آل عمران : 14 ] الخ .