اسماعيل بن محمد القونوي
44
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين وكان عددهم قريبا من ألف أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ) الأولى يرى الكافرون لكن الكافرين في وقعة بدر هم المشركون ولما كان كون هذه آية عظيمة شاملة جوز في خطاب لكم الاحتمالات الثلاثة أشار أولا إلى أن فاعل يرونهم المشركون ومفعوله وهو الضمير البارز المؤمنون فح ضمير مثليهم إما راجع إلى المشركين وهو الاحتمال الأول أو إلى المسلمين وهو الاحتمال الثاني قدم الاحتمال الأول لأن فيه مبالغة لأن رؤيتهم مثلي عدد المشركين وهو قريب ألف أشد هيبة من رؤيتهم مثلي « 1 » عدد المسلمين قال في تفسير قوله تعالى : وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [ الأنفال : 44 ] وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد وهذا بمحض خلق اللّه تعالى فإنه أمر ممكن وقد أخبر اللّه تعالى وقوعه فيجب علينا اعتقاده بلا اشتغال إلى تأويله وقد تصدى المص « 2 » لتوجيهه وتأويله في سورة الأنفال مع ضعفه . قوله : ( وذلك كان بعد ما قللهم في أعينهم حتى اجتراء وعليهم وتوجهوا إليهم ) لقوله تعالى في سورة الأنفال وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [ الأنفال : 44 ] حتى قال أبو جهل إن محمدا وأصحابه أكلة جزور وذلك قبل اقتحام القتال وقيام الحروب . قوله : ( فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا مددا من اللّه للمؤمنين ) لتفاجئهم قوله : يرى المشركون المؤمنين في ضمير الفاعل في يرونهم قولان أحدهما يعود إلى المشركين فالمعنى يرى المشركون المؤمنين مثل عدد المشركين قريبا من الفين إذا كان عددهم ألفا أو مثلي عدد المؤمنين ستمائة ونيفا وعشرين إذ كان عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر ويدل عليه قراءة نافع بالتاء الفوقانية لأن الخطاب لمشركي مكة فيكون ضمير الفاعل في ترونهم للمشركين قطعا فحينئذ أي فعلى قراءة ترونهم أن جعل ضمير مثلهم للمسلمين فالمعنى واضح وإن رد إلى المشركين قيل فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة واعترض عليه بأن من شرط مبالغة وعلى وجه التفسير هذا على أن لا يراد بالشهوات المشتهيات بل المراد بها نفس الاشتهاءت التي هي المعاني المصدرية بخلاف الوجه الأولى فعلى هذا كان الأولى أن يقول أو إيماء لأنه مباين للأول والعطف بالواو يشركه مع المبالغة في كونه علة لتسمية المشتهيات بالشهوات ولا يصلح الإيماء إلى المعنى المذكور أي يكون علة لتلك التسمية بل هو علة تعلق الحب لنفس الاشتهاء اللهم إلا أن يقال الإيماء إلى ذلك المعنى بالنظر إلى أصل المعنى لا إلى المعنى المجازي المراد الآن وهم قد يعتبرون المعاني المهجورة لغرض من الأغراض فح يكون مبالغة علة لأمر وقوله وإيماء لأمر آخر نظرا إلى تعلق الحب فلا يكون العطف حينئذ عطف التفسير .
--> ( 1 ) إذ عدد المشركين قريب ألف ومثليهم قريب ألفين وعدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشرين ومثليهم ستمائة وعشرين مع زيادة يسيرة . ( 2 ) حيث قال وإنما يتصور ذلك بصدد الابصار عن ابصار بعض دون بعض مع التساوي في الشروط وهذا مع أنه لا حاجة إليه مختص بتقليل الكثير دون تكثير القليل فالأولى الاكتفاء بما ذكرناه من أنه بمحض خلق اللّه تعالى .