اسماعيل بن محمد القونوي
432
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والذوق المنبىء عن البأس والقول للتشفي المشعر بكمال الغيظ والغضب ولك أن تجمع بين الاحتمالين بإرجاع الضمير إلى المذكور من قوله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [ آل عمران : 181 ] ومن قوله : وَنَقُولُ ذُوقُوا [ آل عمران : 181 ] « 1 » . قوله : ( والذوق إدراك الطعوم ) وقد يطلق على قوة يدرك بها الطعوم والمناسب للمقام ما ذكره لأن ذوقوا مشتق منه لا بمعنى القوة فإنه جامد لا يشتق منه شيء . قوله : ( وعلى الاتساع يستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات ) مجازا بطريق إطلاق اسم المقيد على المطلق ثم إطلاق اسم المطلق على المقيد إما مجازا فيكون مجازا بمرتبتين أو لكونه من أفراده فلا يكون مجازا بمرتبتين . قوله : ( وذكره ههنا لأن العذاب مرتب على قولهم ) أي قولهم إن اللّه فقير والمراد بالترتب الترتب في الجملة فلا ينافي ما أفاده في قوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [ آل عمران : 182 ] من أن العذاب مترتب على قتلهم الأنبياء وقولهم إذ الترتب بالجملة على مجموعهما . قوله : ( الناشئ عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله للخوف من فقدانه ) الناشئ عن البخل قد سبق أن منشأ هذا القول إما كفر باللّه تعالى أو استهزاء إلا أن يقال ما ذكره هنا منشأ المنشأ ومنشأ المنشأ منشأ أو إشارة إلى منشأ آخر أو نقول إن ما سبق غاية مترتبة على القول المذكور وما ذكر هنا سبب باعث لذلك القول للخوف من فقدانه فلذا ذكر الذوق هنا الذي هو إدراك الطعوم في الأصل لتألفهم به وتلذذهم تهكما بهم فقوله : ذُوقُوا [ آل عمران : 181 ] استعارة تبعية تهكمية قد فصله في قوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] . قوله : ( ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال ) كقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ البقرة : 188 ] الخ وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى [ النساء : 10 ] الآية إلى غير ذلك مع أن خصوص الأكل ليس بمراد والمعنى ولا تأخذوا أموالكم بينكم بالباطل وكذا فيما عداه . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 182 ] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) قوله : ( إشارة إلى العذاب ) أي ذلك العذاب المحقق حتى كأنه محسوس لتعاطيكم أسبابكم التي قدمتموها وهي الأقوال القبيحة والأعمال السيئة وصيغة البعد للتحقير أو للتفخيم في بابه . قوله : ( بما قدمت أيديكم من قتل الأنبياء وقولهم هذا وسائر معاصيهم عبر بالأيدي عن الأنفس لأن أكثر أعمالها بهن ) بما قدمت أيديكم أي بما قدمت أنفسكم سواء كان عمل اليد أو غيرها ووجه تعبيرها بالأيدي قد ذكر في قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ
--> ( 1 ) ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ كما أذقتم المسلمين الغصص فالجزاء من جنس العمل .