اسماعيل بن محمد القونوي
402
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 169 ] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) قوله : ( نزلت في شهداء أحد وقيل في شهداء بدر ) وجه التمريض عدم ملائمته للسباق والسياق حتى قيل إن في كونها شهداء بدر غلط لم يرد عن السلف . قوله : ( والخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد ) فيدخل فيه الرسول عليه السّلام دخولا أوليا إذ المراد لكل أحد الشمول على سبيل العموم لا على سبيل البدل وخصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم فالحكم في من قتل في سبيل اللّه مطلقا كذلك قال تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ [ آل عمران : 169 ] الآية قيل والأظهر أن يكون خطابا لكل أحد من المنافقين الذين قالوا لإخوانهم داخلا تحت قل انتهى فح لا بد من نكتة العدول من الجمع إلى الواحد وأيضا نهيهم عن الحسبان لا يفيد لعدم اعتقادهم القرآن فهو ابتداء كلام من اللّه تعالى لا داخل تحت قل وهذا أبلغ من أن يقال والذين قتلوا في سبيل اللّه ليس بأموات بل أحياء وإن كان ما في النظم إطبابا « 1 » والشهداء وإن كانوا أمواتا بالموت المجازي لكنهم ليسوا أمواتا حقيقة وكذا الكلام في الإحياء وقد مر التفصيل في سورة البقرة . قوله : ( وقرىء بالباء على إسناده إلى ضمير الرسول أو من يحسب أو إلى الذين قتلوا والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين ) أو إلى الذين قتلوا فيكون الذين فاعلا ويكون التقدير ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا أو يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا كذا في الكشاف هذا بناء على جواز عود الضمير على الفاعل المتأخر لأنه مقدم رتبة ثم النهي عن حسبانهم أنفسهم لأنهم أحياء ونفوسهم باللّه مدركة وهو نهي عن حسبانهم في وقت ما بقرينة بل أحياء إذ تقديره بل هم أحياء فهو جملة اسمية تفيد الاستمرار فلا إشكال بأنهم تيقنوا كونهم أحياء فكيف ينهون عن الظن قوله : أو من يحسب أي أو على إسناده إلى ضمير من يحسب أي ولا يحسبن حاسب وفيه إضمار قيل ذكر من يحسب . قوله : أو إلى الذين قتلوا والمفعول الأول محذوف تقديره ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا فيرد على هذا الوجه أن جعل الذين قتلوا فاعلا ضعيف لأن الآية واردة في حق من استشهد فلا معنى لنهيهم عن الحسبان وإنما ضعف ولم يحكم بعدم الجواز لجواز تأويل القتل بالمشارفة بأن يكون معنى قتلوا شارفوا القتل كقوله من قتل قتيلا فله سلبه أي من قتل مشارفا للقتل وأما جواز حذف أحد مفعولي أفعال القلوب فهو مذهب الأخفش لا مذهب سيبويه ولما كان فيه نوع ضعف علله بأن مفعولي الحسبان في الأصل مبتدأ وخبر فكما جاز حذف المبتدأ إذا قامت قرينة جاز حذف مفعوله الأول لأنه مبتدأ في الأصل وهذا التعليل هو الذي اعتمد عليه الأخفش في تجويز حذف أحد مفعولي أفعال القلوب وسيذكر ذلك في تفسير سورة النور إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) لأن قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ الآية أكثر بيان من وَالَّذِينَ قُتِلُوا والاطناب في مقام يقتضي بسط الكلام من شعب البلاغة .