اسماعيل بن محمد القونوي
373
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وقيل استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم فكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة ) بتقدير المضاف يعني سببية الذنوب الماضية ليست بأنفسها بل بذكرها للخوف من اللّه تعالى وملاقاته مع ذلك الذنب وكرهوا القتل وكراهتهم القتل هو الاستزلال . قوله : ( والخروج من المظلمة « 1 » ) أشار به إلى أن إخلاص التوبة ممكن في أحد فما لهم كرهوا القتل لذلك فأجاب بأن الحقوق للعباد من جملة ذنوب تقدمت فالخروج عنها في ذلك المكان مشكل وجه تمريضه هو أنه لو كان كذلك لما جاؤوا أحدا وأيضا ترك الجهاد لأجله لا يساغ في الشرع إذ خروجه عن المظلمة ممكن بالوصية . قوله : ( لتوبتهم واعتذارهم ) هذا بناء على الواقع إلا فعفوه تعالى للتفضل فلا مفهوم قوله : وقيل استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم أي استزلهم الشيطان بتذكيره ذنوبهم التي سلفت منهم فذكروها وكرهوا القتل قبل التطهير عنها بالتوبة الفرق بين هذه الوجوه وبين الوجهين الأولين أن الباء في ببعض ما كسبوا على هذا الوجه للآلة وعلى الأولين للسببية فعلى هذا الوجه كان المراد بالاستزلال توليهم كما في الوجه الثاني والمعنى تركوا كراهة أن يقتلوا قبل التوبة مع بقاء الذنب عليهم فعلى الوجهين الأخيرين المراد من بعض ما كسبوا هو ذنوبهم السالفة وعلى الأول ما زين لهم الشيطان من التولي وترك المركز ومخالفة أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى تقدير أن يراد تذكير الذنوب فأخروا الجهاد لإصلاح حالهم بالتوبة فهو خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه حيث تذكروا ذنوبهم وجعلوا بقائها عليها سببا للتولي ولم يتذكروا أن السيف محا الذنوب جميعا فأعرضوا عن أن يستشهدوا في سبيل اللّه قال بعضهم والتركيب على التقادير من باب تحقيق الخبر كقوله : إن التي ضربت بيتا مهاجرة * بكوفة الجند غالت ودها غول قوله : لتوبتهم واعتذارهم اقتفى المص في تفسير عفى اللّه عنهم أثر صاحب الكشاف حيث قيد العفو بالتوبة وهو اعتزال فالأولى أن يقول لفضله وكرمه بدل قوله لتوبتهم واعتذارهم وفي الآية دلالة على أن القوم ليسوا مشركين لأن الشرك لا يعفى عنه لقوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] لكنه ينافي بحسب الظاهر قوله تعالى في ما تقدم : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ [ آل عمران : 154 ] وقوله : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [ آل عمران : 154 ] فإن هذا من صفة الذين اظهروا الإيمان وابطنوا الكفر فلعل تقييد المص العفو بالتوبة هنا بناء على أن القوم كفار والكفر لا يعفى عنه قبل التوبة لا على أصل الاعتزال في أن العفو في ذنب المؤمن مشروط بالتوبة قالت المعتزلة ذلك الذنب أي ذنب هؤلاء القوم إن كان من الصغار جاز العفو عنه من غير توبة وإن كان من الكبائر لم يجز إلا مع التوبة فههنا لا بد من تقديم التوبة منهم وإن كان ذلك غير مذكور في الآية قال القاضي عبد الجبار والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان الأول أنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة وإنما يقال ذلك في الصغيرة الثاني أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت في أول الوهلة على المشركين لم يبق إلى ثباتهم أي إلى ثبات المؤمنين في ذلك المكان حاجة فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة
--> ( 1 ) فيه دلالة على أن حقوق العباد لا تسقط بالشهادة لكن سقوطها مرجو بالشهادة في البحر .