اسماعيل بن محمد القونوي

339

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( على أن الواو للجمع ) لكن المقصود نفي الأمرين جميعا كما في قولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن وهذا يصدق بانتفاء واحد منهما « 1 » وكذا ما نحن فيه والمعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر « 2 » أي الجمع بينهما فإن عدم تحقق الجمع إما بانتفائهما جميعا أو بأحدهما وإيثار اسم الفاعل هنا مع إيثار الموصول أولا لإفادة أن المعتبر هو الدوام على الصبر كائنا ما كان بخلاف الجهاد وكونه للمحافظة على الفواصل ليس بقوي لأنه خاص هنا والأول جار في كل مثل هذا الموضع قيل فحذف نون يعلمن لالتقاء الساكنين والظاهر أن حذفه لأجل التخفيف وإلا يلزم حذف الساكن فيما بعده ساكن وليس كذلك بل حرك الساكن إما بالكسر أو بالفتح ولذلك قال النحرير التفتازاني إن حذفه من غير ملاقاة ساكن كما في قوله اضرب عنك الهموم طارقها أصله اضربن فحذف النون للتخفيف وكذا هنا . قوله : ( وقرىء بالرفع على أن الواو للحال كأنه قال ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ) والمضارع المثبت إذا وقع حالا لا يكون الواو رابطة ولذا قال كأنه قال الخ إشارة إلى أنه مأول بالجملة الاسمية بتقدير المبتدأ أي وهو يعلم الصابرين وما ذكره حاصل معناه وعلى هذه القراءة فالمعنى مثل القراءة الأولى في المآل . قوله : على أن الواو للجمع كقولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن قال أبو البقاء والتقدير اظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم اللّه المجاهدين وأن يعلم الصابرين وحقيقته ولم تجمعوا بين الجهاد والصبر لما مر أن نفي العلم لنفي المعلوم وقال بعضهم التقدير أحسبتم دخول الجنة وما جمعتم بين المجاهدة والصبر وهذه الواو تسمى واو الصرف والمراد ههنا أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان قال الإمام حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص الآخر وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا وسعادة الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب عن كل ما سوى اللّه تعالى وامتلائه من حب اللّه تعالى وهذان الأمران مما لا يجتمعان فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما وأيضا حب اللّه تعالى وحب الآخرة لا يتم بالدعوى فليس كل من أقر بدين اللّه تعالى كان صادقا ولكن الغرض فيه تسليط المكروهات والمحبوبات فإن الحب هو الذي لا ينتقض بالجفاء ولا يزداد بالوفاء فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك حب كان حقيقيا فلهذه الحكمة قال : أَمْ حَسِبْتُمْ [ البقرة : 214 ] أن تدخلوا الجنة بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم بالجهاد وتشديد المحنة . قوله : ( وأنتم صابرون ) إشارة إلى أن العلم في قوله تعالى : وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 142 ] كناية عن ثبوت المعلوم كما أن نفي العلم في قوله : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا [ آل عمران : 142 ] مجاز عن نفي المعلوم .

--> ( 1 ) إذ المنع عن اجتماعهما دون أكل أحدهما بدون الآخر . ( 2 ) أي الصبر على الجهاد أو على المشاق كلها .