اسماعيل بن محمد القونوي
294
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
على أن المراد بذات الصدور ما في الصدور من الأمور المخفية وعلى أن قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ [ آل عمران : 119 ] الآية إشارة إلى قضية كلية ويضم إليها صغرى سهلة الحصول فينتج المطلوب . قوله : ( وهو يحتمل أن يكون من المقول أي وقل لهم إن اللّه عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظا وأن يكون خارجا عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب ) أي دم وأثبت على ترك التعجب . قوله : ( من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم ) وهذا كالصريح في أن المخاطب بقل هو النبي عليه السّلام والمراد من لا تتعجب الأمر بالدوام عليه كقوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ البقرة : 147 ] وقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا [ إبراهيم : 42 ] الآية وإن كان المخاطب بقل كل من يقف على الكلام فلا كلام في كون التعجب على حقيقته وظاهره كما قيل لكن قوله من اطلاعي إياك يحتاج إلى التمحل بكون المعنى من اطلاعي إياك بواسطة اطلاعي النبي عليه السّلام وإخباره إياك وأيضا يحتاج حينئذ إلى التأويل بالدوام عليه لأن المؤمن يعلم اطلاعه تعالى على ما في الصدور والنهي عن التعجب المذكور يفيد أن المؤمن لم يعلم اطلاعه على ما في الصدور فلا بد من التأويل في كل احتمال . قوله : ( إن تمسسكم حسنة ) وهي الخصب والرخاء والنصرة والغنيمة وسائر النعماء والسيئة ما كان ضد ذلك وإنما قدم إصابة الحسنة لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بأحداثها بالذات وأما السيئة فمع كونها نادرة فلا تقصد إلا بالتبع كما صرح به في قوله تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ [ آل عمران : 26 ] وهذا يقتضي ذكر الحسنة مع أداة التحقيق وذكر السيئة بكلمة الشك كقوله تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ [ الأعراف : 131 ] الآية لكن أشير إلى فرط حسدهم بأن إصابة الحسنة ولو على القلة والندرة تسوؤهم فضلا عن سبيل الكثرة فذكرت مع كلمة الشك ونكرت وذكر المضارع معها عكس ما في سورة الأعراف مع أن في ذلك حسن التقابل والنكتة مبنية على الإرادة . قوله : وأن يكون خارجا عنه فيكون استئنافا وارد البيان علة النهي عن التعجب من اطلاع اللّه تعالى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على أسرارهم فكأنه لما اطلع اللّه تعالى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على ما أخفوه من عض الأنامل من الغيظ تعجب من ذلك فقال تعالى : قل لهم ذلك ولا تتعجب من ذلك فإني عليم بما هو أخفى من ذلك وهو ما في الصدور من أحاديث النفوس فلفظ من في قوله من ضمائرهم للبيان لا التي تدخل المفضل عليه قال صاحب الكشاف إذا كان إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ آل عمران : 119 ] داخلا في جملة المقول فمعناه أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا وقل لهم إن اللّه عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور فلا تظنون أن شيئا من أسراركم يخفى عليه وإذا كان خارجا فمعناه قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ما اضمروه في صدورهم لم يظهروه بألسنتهم .