اسماعيل بن محمد القونوي

264

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الكمال لا أصل الفلاح فلا ينافي وجود أصل الفلاح في غيرهم ( روي أنه عليه السّلام سئل من خير الناس قال آمرهم بالمعروف ) وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم للّه وأوصلهم للرحم والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا على حسب ما يؤمر به . قوله : ( والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام ) والكراهة التحريمية داخلة في الحرام لأنها إما حرام كما عند محمد أو إلى الحرام أقرب وهو المختار عندهما والكراهة التنزيهية ليست بحسن ولا قبيح فلا تدخل في المنكر « 1 » إذ لا عقاب في فعله كما صرح في التوضيح ولذا قال والنهي عن المنكر واجب كله ولم يقل والنهي عن المكروه مندوب إشارة إلى المذهب المختار أن المنكر بمعنى ما أنكره الشرع لقبحه لا يشتمل المكروه تنزيها إذ لا قبح في فعله بمعنى أن يعاب عليه . قوله : ( والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر ) الأظهر ترك الأظهر لأن بيانه يقتضي إسقاطه قال في تفسير قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ [ البقرة : 44 ] الآية فإن الإخلال بأحد الواجبين لا يوجب الإخلال بالواجب الآخر والتوبيخ في قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [ البقرة : 44 ] الآية بالنسبة إلى النسيان لا بالأمر نفسه وكذا في قوله تعالى : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 105 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) قوله : ( كاليهود والنصارى ) كاليهود حيث تفرقت فرقا كثيرة وكذا النصارى واختلفوا باستخراج التأويلات الزائغة وكتم الآيات الدالة على حقية رسولنا ولذلك لم يتحد كلمتهم وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذه الآية كالتأكيد لما قبلها وهذا التوجيه هو المناسب للمقام لكن المتبادر من كلام المص اتحاد التفرق والاختلاف حيث قال اختلفوا ولم يتعرض التفرق . قوله : ( اختلفوا في التوحيد والتنزيه وأحوال الآخرة على ما عرفت ) فبعضهم موحدون وبعضهم مشركون حيث قال اليهود عزير ابن اللّه والنصارى المسيح ابن اللّه ويلزمه القول بالتشبه والتجسم ويلزمه الاختلاف في التنزيه أيضا وأحوال الآخرة على ما عرفت في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 8 ] الآية . قوله : والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه أي عن مثل ما يرتكبه لأن عين ما يرتكبه لا يمكن أن يصدر عن غيره لأن الاعراض لا تنتقل .

--> ( 1 ) يؤيد ما ذكرنا أنه لم يقل والأمر بالمعروف يكون مباحا إذ المباح لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه وكذا المكروه تنزيها .