اسماعيل بن محمد القونوي
258
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 103 ] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 103 ) قوله : ( بدين الإسلام أو بكتابه لقوله عليه السّلام القرآن حبل اللّه المتين ) بدين الإسلام أي استعير له الحبل قدمه وهو الظاهر وهو الذي يراد بالصراط المستقيم أو بكتابه وهو القرآن ولذا قال لقوله عليه السّلام الخ . قوله : ( استعار له الحبل من حيث إن التمسك به سبب للنجاة عن الردى ) استعار له قوله : استعار له الحبل أي استعار الحبل لدين الإسلام استعارة تصريحية حيث شبه دين الإسلام بالحبل في كون كل منهما سببا للنجاة ثم أطلق اسم المشبه به على المشبه على طريق الاستعارة والجامع كون التمسك به سبب النجاة عن الهلاك قوله وللوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام عطف على قوله له الحبل أي واستعار للوثوق بالحبل لفظ الاعتصام ترشيحا للاستعارة الأولى لما أن الاعتصام الذي هو عبارة هنا عن الوثوق والاعتماد مما يلائم حقيقة المستعار الذي هو الحبل فكل واحد من هاتين الاستعارتين استعارة مصرحة لكن الثانية وقعت ترشيحا للأولى لزيادة تصوير المشبه الذي هو دين الإسلام في صورة المشبه به وهو الحبل المتمسك به للنجاة فكانت هذه الثانية مثل قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] في كونه ترشيحا لاستعارة الاشتراء للاستبدال في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] تمثيلا لخسارهم في الكشاف قولهم اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ووثوقه بحمايته بامتساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه وإن كان الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه والمعنى واجتمعوا على استعانتكم باللّه ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة وبكتابه لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « القرآن حبل اللّه المتين » لا ينقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم ذكروا فيه أنه إنما قال قولهم اعتصمت بحبله يجوز أن يكون كذا وكذا ولم يقل قوله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ [ آل عمران : 103 ] يجوز أن يكون كذا وكذا تنبيها على أن هذه العبارة فاشية مشهورة في كلامهم متداولة فيما بينهم ولها توجيهان أحدهما أنها استعارة مركبة تمثيلية حيث شبهت حاله في استظهاره ووثوقه بحمايته بحال المتدلي من مكان عال المعتصم بحبل وثيق فاستعير للحالة المشبهة ما يستعمل في الحالة المشبه بها وثانيهما أن فيها استعارتين مفردتين مترادفتين استعير الحبل للعهد والجامع إثبات ثبات الوصلة من الجانبين والقرينة إضافة الحبل وهذه الاستعارة استعارة مصرحة أصلية واستعير الاعتصام لوثوقه بالعهد وتمكنه استعارة مصرحة تبعية ويجوز أن يكون الاعتصام ترشيحا لاستعارة الحبل فقوله أو ترشيحا عطف على استعارة مقدرة بعد الاعتصام والتقدير أن يكون الاعتصام استعارة لوثوقه بالعهد أو ترشيحا ولما وجه عبارة القوم بين معنى الآية بمعنيين بقوله والمعنى واجتمعوا على طريق النشر بعد اللف من التوجيهين وزاد في وجوه الاستعارة بأن ذكر استعارة الحبل لكتاب قوله ولا يخلق من أخلق إذا بلي وأخلق يتعدى ولا يتعدى يقال أخلق الثواب أي بلي واخلقته أي أبليته والرد التكرار في القراءة أي لا يبلى بالتكرار في القراءة أي لا