اسماعيل بن محمد القونوي
248
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تكليف شاق فأشعر بكمال السخط ليحذروا من تركه لكن الأولى جعله علة لتأكيد الأمر بالحج بوجوه كثيرة « 1 » مذكورة لأن التكليف الذي هذا شأنه ينبغي أن يؤكد بمؤكدات كثيرة حتى يحترزوا عن تركه والمراد بالتكليف المكلف به والمأمورية . قوله : ( روي أنه لما ترك صدر الآية جمع رسول اللّه أرباب الملل وقال إن اللّه تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل ) تمامة فقالوا لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه كما في الكشاف وهم اليهود والصابئون والنصارى والمجوس والذين أشركوا وتردد في كون المشركين من أهل الملة النحرير التفتازاني والمراد بهم عبدة الأوثان وهم على دين إبراهيم لكنهم ضيعوه فهم باعتبار الأصل من أهل الملة وإلا فهو تغليب أخرج هذا الحديث ابن جرير عن الضحاك قيل وفيه أن تلك الملل كانت موجودة في جزيرة العرب فلينظر انتهى ثم قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ [ آل عمران : 97 ] أما خبران لحج البيت أو الأول خبر والثاني حال أو العكس أو الأول خبر والثاني متعلق به أو العكس « 2 » . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 98 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ( 98 ) قوله : ( فنزلت ومن كفر ) فح ومن كفر محمول على ظاهره وغير موضوع موضع لم يحج ولا يحصل به تأكيد أمر الحج بالوجوه المذكورة . لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به أعرف بعقله من وجود المنافع فيه أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد . قوله : وكفرت به خمس ملل هم المذكورون بعد المؤمنين في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ [ الحج : 17 ] والنصارى والمجوس والذين أشركوا وعد المشركون من أهل الملل تغليبا وإلا فهم من أهل النحل وفي الكشاف وروي أنه لما نزل قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] جمع رسول اللّه أهل الأديان كلهم فخطبهم الخ قيل قوله هذا دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وأجيب عنه بأن المراد الإيمان به بدليل قوله فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل أقول يرد هذا الجواب قوله فحجوا فإنه أمر لهم بالحج والحج من الفروع كالصوم والصلاة ولو كان المراد الإيمان به لكان الظاهر أن يقال بدل فحجوا فآمنوا به .
--> ( 1 ) فيدخل فيه الإشعار يعظم السخط . ( 2 ) نقل عن السبكي في كتاب الانتصار أنه قال إن هنا فرض عين على المستطيع الذي لم يحج وفرض كفاية وهو ما يجب على كل مستطيع من إحياء شعائر الحج في كل سنة حج أو لم يحج وعلى الأول بدل من الناس وهو مذهب سيبويه وعلى الثاني هو فاعل المصدر أي حج البيت والتقدير للّه على الناس مطلقا حج المستطيع منهم فمن حج الفرضين بالثوابين وفيه بحث من وجهين الأول أن رفع المصدر المضاف إلى الفاعل للمفعول فاعلا ضرورة الثاني أن أحياء البيت يحصل بالعمرة ورد بأنه ليس بضرورة والمراد بالحج معناه اللغوي وفيه نظر انتهى والكل تكلف إذ لا يعرف في الأحكام الشرعية ما يكون فرض عين وفرض كفاية معا فمن ادعى فعليه البيان مع وجهه القويم بالبرهان .