اسماعيل بن محمد القونوي
237
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ولازم ) فإن العرب قد وضعوا الباء موضع الميم كالنبيط والنميط هما على صيغة التصغير اسم موضع بالدهنا لم يسمع الدهنا من العرب إلا بالقصر وراتب وراتم أبدلت باؤه ميما عكس البكة ولازم ولازم أبدلت ميمه باء كما في مكة وفي تكثير الأمثلة إشارة إلى أن وضع الباء موضع الميم وبالعكس كالقياسي والمعيار أن ما هو أكثر استعمالا فهو الأصل كمكة والآخر مبدل منه كبكة فعلى هذا كلاهما بمعنى واحد وهو الراجح ولذا قدمه . قوله : ( وقيل هي موضع المسجد ومكة البلد ) أي بكة موضع المسجد « 1 » فلا يكون لغة في مكة ومكة البلد مبتدأ وخبر فظرفيتها للبيت مجازية وظرفية بكة على مغايرتها لمكة مجازية أيضا إن أريد بالبيت غير المسجد الحرام وهو الكعبة وحقيقية إن أريد به المسجد الحرام كما يقال زيد في البلد فإنه مجاز وزيد في موضع كذا من الدار أو من البيت وهو حقيقة . قوله : ( من بكة إذا زحمه أو من بكة إذا دقه فإنها تبك أعناق الجبابرة ) مضاعف والضمير راجع إلى المكان إذا زحمه وسمي بكة لتباك العاكفين الطائفين أي ازدحامهم سواء كان المراد بها نفس مكة أو المسجد الحرام وبالأخير أوفق أو من بكه إذا دقه فح وجه تسميتها ببكة لأنها تدق أعناق الجابرة فإنه لم يقصدها جبار بسوء إلا دمره اللّه تدميرا فإسناد الدق إليها مجاز لسببيته وهذا كاف في وجه التسمية وتسميتها بمكة لقلة مائها أو لاجتذابها الناس إليها من الجوانب أو لأنها تمك الذنوب أي تذهبها . قوله : ( روي أنه عليه السّلام سئل عن أول بيت وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة ) قيل أخرج الشيخان عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه لعل مراده التأييد لما ذكره من أن المراد من الذي البيت في مكة أو المسجد الحرام لكن الظاهر أن المراد بالبيت الكعبة أدام اللّه شرفها فالتأييد غير ظاهر وإن أريد به المسجد الحرام فالأمر واضح لكنه خلاف المشهور قال في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [ البقرة : 125 ] الآية أي « الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا » قوله عليه السّلام المسجد الحرام ظاهر في أن المراد بالبيت المسجد الحرام فقال عليه السّلام أربعون سنة أي ما بين مدة وضعيهما أربعون سنة لا بين مدة بنائهما فلا إشكال بأن باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السّلام وباني الأقصى داود وابنه سليمان عليهما السّلام وبينهما مدة طويلة لجواز أن يكون واضع الأقصى قبل داود ثم بيناه كذا قاله الشيخ الطحاوي في الآثار . بكة اسم للمسجد خاصة وأما مكة فهو اسم لكل البلد المعروف في ذلك الموضع المبارك والدليل على قولهم إن اشتقاق بكة من الزحام والمدافعة وإنما يحصل هذا في المسجد عند الطواف لا في سائر المواضع وقال الأكثرون مكة اسم للمسجد والمطاف وبكة اسم للبلد والدليل عليه أن قوله تعالى : لَلَّذِي بِبَكَّةَ [ آل عمران : 96 ] يدل على أن البيت حاصل ومظروف فيها فلو كان بكة اسما للبيت لبطل كون بكة ظرفا للبيت أما إذا جعلنا بكة اسما للبلد استقام هذا الكلام .
--> ( 1 ) وأيد هذا بأن التباك وهو الإذحام إنما يقع عند الطواف وفيه بحث .