اسماعيل بن محمد القونوي
234
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 94 ] فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 ) قوله : ( ابتدعه على اللّه بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التورية على بني إسرائيل ومن قبلهم ) ابتدعه أي اخترعه إشارة إلى التجريد إذ الافتراء هو الكذب عن عمد فالكذب معتبر في مفهومه قوله بزعمه الخ جعل الافتراء عبارة عنه لأنه أمس بالمقام فاللام في الكذب للعهد لتقدم ذكره وكلمة الفاء مشعرة بالتخصيص ولو عم ليدخلون فيه دخولا أوليا . قوله : ( من بعد ما لزمتهم الحجة ) بيان للمشار إليه المنفهم من قوله قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ [ آل عمران : 93 ] إذ يفهم منه أنهم لم يتجاسروا على إتيان التورية كما رواه المص والافتراء على اللّه تعالى وإن كان قبيحا منكرا لكنه بعد ما لزمتهم الحجة وعدم قدرتهم على المحاجة أقبح وعن هذا قيد به ولذا حكم عليهم بالظلم مع التأكيدات . قوله : ( الذين لا ينصفون من أنفسهم ويكابرون الحق بعد ما وضح لهم ) فهم يضعون الشيء في غير محله والظاهر أن قصر المسند على المسند إليه هنا ادعائي أو إضافي . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 95 ] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) قوله : ( تعريض بكذبهم أي ثبت أن اللّه صادق فيما أنزل ) بعد التصريح بكذبهم مبالغة في تقبيحهم والتعريض أن يذكر شيء يدل به على شيء آخر بلا كناية وهو المراد هنا والمعنى تحقق وثبت عندكم أيضا فح يتضح وجه التفريع في قوله : فَاتَّبِعُوا [ آل عمران : 95 ] . قوله : ( وأنتم الكاذبون ) إشارة إلى أن الكلام يفيد الحصر الإضافي بمعونة المقام لأنه كذبهم أولا ثم بين صدق اللّه ثانيا فكان المعنى صدق اللّه لا أنتم وما ذكره المص حاصله . قوله : ( أي ملة الإسلام التي في الأصل ملة إبراهيم ) لما كان الأمر بالاتباع لملة إبراهيم عليه السّلام المقصود منه الأمر باتباع ملة نبينا عليه السّلام أشار المص إلى وجه إضافة الملة إلى إبراهيم عليه السّلام فقال إن ملة الإسلام أكثرها موافق لشرع إبراهيم عليه السّلام فلذا أضيفت إليه إما باعتبار ما كان أو لأدنى ملابسة فالإضافة مجازية فلا يلزم كون نبينا عليه السّلام عاملا بشريعة « 1 » إبراهيم كأكثر أنبياء بني إسرائيل وقد مر من الكلام في قوله : أي ثبت أن اللّه صادق فيما أنزل قالوا قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [ آل عمران : 95 ] يحتمل وجوها أحدها قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [ آل عمران : 95 ] في أن ذلك النوع من الطعام صار حراما على بني إسرائيل وأولاده بعده بعد أن كان حلالا لهم فصح القول بالنسخ وبطلت شبهة اليهود وثانيها صدق اللّه في قوله إن لحوم الإبل والبانها كانت محللة لإبراهيم وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه وثبت أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لما أفتى بحل لحوم الإبل والبانها فقد أفتى بمثله إبراهيم وثالثها صدق في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها حرمت على اليهود جزاء لقبائح أفعالهم ثم قال تعالى : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [ آل عمران : 95 ] أي ما يدعوكم إليه محمد من ملة إبراهيم .
--> ( 1 ) لأن شرعنا نسخ شرع من قبلنا .