اسماعيل بن محمد القونوي

233

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

السّلام بتحليله لحوم الإبل وألبانها ) عطف على قوله في دعوى البراءة إذ تحريم ما كان حلالا لا يكون إلا بالنسخ والطعن عطف على النسخ . قوله : ( أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه ) أي أن حقيقة الأمر وإن أمكنت هنا لكن المراد إسكاتهم وإلزامهم . قوله : ( من أنه قد حرم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرما روي أنه عليه السّلام لما قال لهم بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة ) قد حرم عليهم أي دفعة لأن نزول التوراة جملة واحدة وما قال صاحب الكشاف من أنه كلما ارتكبوه كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات فيوهم أن نزولها مفرقة مثل القرآن كما ذهب إليه البعض واختاره السعدي « 1 » في سورة الفرقان ولا يخفى ضعفه لدى أهل العرفان ونقل عن الاتقان أنه قال كاد أن يكون إجماعا وذكر آثارا وأحاديث تدل عليه بهتوا أي تحيروا في جوابه . قوله : ( وفيه دليل على نبوته ) حيث أخبر بما في التوراة وهو غائب عنه إذ لم يقرأها ولم يسمعها ومثله يكون بالوحي لا غير . حراما على بني إسرائيل أما قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [ آل عمران : 93 ] فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل المطعومات سوى ما حرمه على نفسه أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم اللّه عليهم أنواعا كثيرة روي أن بني إسرائيل كانوا إذا آتوا بذنب عظيم حرم اللّه عليهم نوعا من أنواع الطعام أو سلط عليهم سبب الهلاك والمضرة دليله قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [ النساء : 160 ] ثم قال تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ آل عمران : 93 ] وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كانت موجودة من لدن آدم إلى هذا الزمان فكذبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك وطالبهم بقراءة آية من التوراة يدل على قولهم وأما لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه فنازعوه فطلب الرسول احضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب أنها موافقة لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال الإمام ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية وذلك لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم طالبهم فيما ادعوه بكتاب اللّه ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه لأنا نبينه بالقياس ثم قال ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي وإنما وقع في بيان هذا الحكم هل كان موجود في زمان إبراهيم ونوح وسائر الأنبياء أم لا ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بنص التوراة . قوله : وفيه دليل على ثبوته وجه الدلالة أن علم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما في التوراة من حكم يكذبهم ويلقمهم الحجر من غير تعلم من أحد ولا مطالعة كتاب من قبيل العلم بالغيب الذي لا يتوصل إليه إلا بالوحي فيكون معجزا دالا على صدق نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم .

--> ( 1 ) حيث قال إن بعض العلماء بين في آخر سورة النساء التورية نزلت منجمة في ثماني عشرة سنة الخ .