اسماعيل بن محمد القونوي
202
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
( وتشنيع عليهم ) ناظر إلى قوله : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 78 ] يعني أن هذا القول منهم يدل على فرط جسارتهم وحكايته إشارة إلى كمال شناعتهم وفرط قبحهم بأنهم لا يعرضون فقط بل يصرحون بأنه في التورية ومن عند اللّه ولظهور المراد قال تأكيد لمجموعه قوله ( وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحا لا تعريضا ) عطف تفسير للتشنيع إذ التصريح بالكذب أشنع من التعريض . قوله : ( أي ليس هو نازلا ) يعني معنى وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 78 ] أي ليس نازلا ( من عند اللّه ) تعالى ( وهذا ) تمهيد لقوله وهذا ( لا يقتضي فيه ) وإلا فهذا كونه معناه ظاهرا . قوله : ( أن لا يكون فعل العبد ) لأنه قد علمت أن معناه أن المحرف ليس نازلا من عند اللّه كما زعموا وإن كان ( فعله تعالى ) خلقا إذ لا يلزم من نفي الأخص « 1 » نفي الأعم الذي هو كونه فعله تعالى بلا إنزال فلا إشكال بأن المحرف لما لم يكن فعل اللّه تعالى يكون فعل العبد فيكون العبد خالقا لفعله وهو مذهب المعتزلة . قوله : ( تأكيد ) أي زيادة تأكيد ( وتسجيل ) أي تصريح افترائهم ( عليهم بالكذب على اللّه تعالى ) بعد الرمز والإشارة إليه ( والتعمد فيه ) وقد عرفت أن المذموم الكذب عمدا وصحة العطف مع التأكيد لأن المغايرة بينهما حاصلة في الجملة بالتصريح والتعريض وفي الكشاف وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التورية وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول اللّه عليه السّلام ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم قال عليه السّلام « شرار الناس شرار « 2 » العلماء » ( ما كان ) أي ما صح وما استقام ( لبشر ) لأحد والتعبير بالبشر للتنبيه في أول الأمر أن القول الآتي ليس من شأنهم لمنافاته البشرية وتنكيره للتعميم والنفي للعموم في النفي لا لنفي قوله : وهذا لا يقتضي أي النفي المستفاد من قوله : وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 78 ] لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد الذي هو تحريف التورية هنا من اللّه تعالى أي من خلق اللّه تعالى وإيجاده لأن المراد من ما هو من عند اللّه أن المحرف ليس منزلا من عند اللّه وهذا ليس بمناف لأن يكون هو من عند اللّه خلقا وإيجادا بل المذهب الحق أن التحريف وإن كان فعل المحرفين لكنه بخلق اللّه وإيجاده فهو بهذا المعنى من اللّه تعالى فلا تكون الآية حجة للمعتزلة علينا في قولنا فعل العبد من اللّه تعالى وأن أفعال العباد جميعا بخلق اللّه تعالى وإيجاده فاندفع به واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق للّه تعالى فقالوا لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقا للّه تعالى لصدق اليهود في قولهم إنه من عند اللّه لأنهم أضافوا إلى اللّه ما هو من عند اللّه واللّه تعالى نفى عن نفسه ما ليس عنده .
--> ( 1 ) وهو الإنزال من عنده تعالى . ( 2 ) أشار به إلى أن هذا الإفساد نشأ من الأحبار والرهبان وهم عين الأشرار وصاحب الطغيان .