اسماعيل بن محمد القونوي

196

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 77 ] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) قوله : ( يستبدلون ) أي يشترون استعارة تبعية والمعنى يتركون عهد اللّه ويعرضون عنه ويختارون ثمنا قليلا وتفصيله قد مر في سورة البقرة والباء داخلة على المتروك . قوله : ( بما عاهدوا اللّه عليه من الإيمان بالرسول ) أشار إلى أن العهد مصدر بمعنى المفعول أو بيان للمعنى الشرعي له والإضافة إلى المفعول قوله ( والوفاء بالأمانات ) إشارة إلى ربطه بما قبله ( وأيمانهم ) عطف على عهد اللّه عطف الخاص على العام وإنما جمع الأيمان لإضافتهم إليهم وأفراد العهد لإضافته إليه تعالى . قوله : ( وبما حلفوا به ) على أن الأيمان أطلقت على ما حلفوا به لا على نفس القسم ( من قولهم واللّه لنؤمنن به ولننصرنه ) وسيجيء تفصيله في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [ آل عمران : 81 ] الآية . قوله : ( متاع الدنيا ) فإنه وإن جل قليل مسترذل بالإضافة إلى ما يفوت عنهم من حظوظ الآخرة . قوله : ( بما يسرهم ) توجيه لنفي التكلم بأن المراد نفيه بما يسره وإن وقع التكلم بما لا يسره فلا ينافيه مثل قوله تعالى : يسأل المجرمون ( أو بشيء أصلا ) أو المعنى ولا يكلمهم بشيء ( وإن الملائكة يسألونكم ) والآيات الدالة على سؤالهم محمولة على سؤال الملائكة فلا إشكال بمثل قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ [ الحجر : 92 ] ولأمره تعالى أسند السؤال إلى ذاته مجازا ( يوم القيامة ) . قوله : ( أو لا ينتفعون بكلمات اللّه وآياته ) فيكون عدم التكلم مجازا عن عدم الانتفاع إذ ما لا ينتفع به فكأنه معدوم . قوله : أو لا ينتفعون بكلمات اللّه . قوله : بما يسرهم أو يسيء على الأول المنفي هو التكليم الخاص وعلى الثاني هو العام والثاني اظهر لاطلاق الفعل عن المقيدات . قوله : وأن الملائكة يسألونهم معنى ظاهر الآية قد دل على أن اللّه تعالى لا يكلمهم وقد ثبت أن الخلائق مسؤولون يوم القيامة قال اللّه تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] وقال : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] فكيف يكون الجمع بين هاتين الآيتين وبين تلك الآية والسؤال إنما يكون بالكلام وإذا لم يكلمهم اللّه فمن أين السؤال فأزال تلك الشبهة بقوله : ( وإن الملائكة يسألونهم يوم القيامة ) . قوله : أو لا ينتفعون بكلمات اللّه فالمعنى لا يكلمهم اللّه بكلام نافع أقول هذا في الظاهر عين الوجه الأول والفرق أن المراد بالنفي في الأول نفي الكلام السار وفي الثاني نفي الانتفاع بالكلام فتغايرا باعتبار محلي السلب .