اسماعيل بن محمد القونوي

154

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

يَخْلُقُ [ آل عمران : 47 ] الآية أو من مجموعهما والمراد من غير زوج من غير مسيس رجل بالحلال وحسن هذا التعبير لا يخفى وجه الإزاحة والإزالة هو أن معرفة مآثره وكماله تهون عليها مرارة اللوم وخوفه وحصول تلك المعرفة مما ذكر قبله لا ينافيه بل يقويه . قوله : ( أو عطف على يبشرك ) استبعده أبو حيان لطول الفصل بين المتعاطفين وأجيب بأنه اعتراض لا يضر لكن الكلام على القراءة بنون العظمة فيكون المعنى ح قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ [ آل عمران : 45 ] وإن اللّه نعلمه ولا يمكن الالتفات لأن التكلم في الحكاية لا من الحاكي ألا يرى أنك لو قلت قال تعالى : إن اللّه أرسل رياحا فسقناه لم يكن كلاما كذا حرره النحرير التفتازاني والجواب أن الكلام بتقدير القول ح أي إن اللّه يبشرك بكلمة ويقول نعلمه ومثل هذا كثير فلذا الإشكال اخره تنبيها على ضعفه والعطف على وجيها وإن لم يلزم فيه ذلك لكنه لطول الفصل بينهما اخره مع أن عطف الجملة على المفرد مما يتمحل فيه ويلزم ح كونه حالا مقدرة وفيه من التكلف ما لا يخفى ( أو وجيها ) . قوله : ( والكتاب الكتبة ) بالفتح وهو مصدر بمعنى الخط وأن يصير كاتبا وهذا التعليم بواسطة إذ أول من خط إدريس عليه السّلام فاللام ح لام الحقيقة قدمه لأنه تقيد به العلوم ويعلم به البعيد فهو من أجل النعم وأعظم الكرم . قوله : ( أو جنس الكتب المنزلة ) فاللام للاستغراق واختير المفرد لأن استغراقه أشمل ولا يتناول القرآن لأنه لم ينزل ح . قوله : ( وخص الكتابات لفضلهما وقرأ نافع وعاصم ويعلمه بالياء ) أي التوراة والإنجيل لفضلهما لاشتمالهما على أكثر الأحكام فإن الأصلح كون الإنجيل مشتملا على الأحكام والحكمة ما يكمل به نفسه من المعارف « 1 » والأحكام والمتبادر من قوله إنهما قوله : والكتاب الكتبة قال الإمام المذكور في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على البعض بواو العطف والأقرب عندي أن يقال المراد بالكتاب تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ومحيطا بالعلوم العقلية والشرعية يعلمه التوراة وإنما اخر تعليم التوراة عن تعليم الخط وتعليم الحكمة لأن التوراة كتاب الهي وفيه أسرار عظيمة والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث عن أسرار الكتب الإلهية ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل وإنما اخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من يعلم الخط ثم يعلم علوم الخلق ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل اللّه تعالى عليه بعد ذلك كتابا آخر واوقفه على أسراره فذاك هو الغاية القصوى والمرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية .

--> ( 1 ) إشارة إلى أن الحكمة استكمال القوة النظرية بالمعارف والقوة العملية بالأعمال اللطائف .