اسماعيل بن محمد القونوي
152
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والمهد مصدر ) أي في الأصل مصدر مهدت الفراش إذا بسطته والمهد البسط ( سمي به ) المفعول مجاز التعلق المهد به ثم صار حقيقة عرفية فيه وهو ( ما يمهد ) أي يبسط ( للصبي من مضجعه ) لينوم عليه وهو المراد هنا . قوله : ( وقيل إنه رفع ) أي إلى السماء ( شابا ) وسيجيء بيانه عن قريب مرضه إذ الأصح أنه بعث على رأس ثلاثين فمكث في نبوته ثلاثين شهرا أو ثلاثين سنة ثم رفع وأول سن الكهولة ثلاثون سنة أو اثنان وثلاثون أو ثلاث وثلاثون ( والمراد وكهلا بعد نزوله ) . قوله : ( وذكر أحواله المختلفة المتنافية إرشادا إلى أنه بمعزل عن الألوهية ) اختلاف الأحوال تبدلات السن الطارىء عليه وغيره من المنافي للألوهية . قوله : ( حال ثالثة من كلمة أو ضميرها الذي في يكلم ) لا يخفى أنه رابع من كلمة ثالث من ضميرها ولعل مراده بالثالث بعد الثاني سواء كان ثالثا أو رابعا بقرينة عطف ضميرها عليه مثل قول ابن الحاجب التوابع كل ثان وعلى الأول فالنكتة في فصل الحالين لكونهما من تتمة الحال الثالثة وجه تقديم الأحوال بعضها على بعض هو أن الأول في الدنيا كما كان في الآخرة وكونه من المقربين ثمرة النبوة والتكلم معجزة دالة على النبوة وقد عرفت أن الأخير لرعاية الفاصلة والمعنى ومن الذين لم يصدر عنهم صغيرة ولا كبيرة وهذه المرتبة من الصلاح أعلى مقامات الواصلين قال المص في قوله تعالى : وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] ووفقني الكمال في العلم والعمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره انتهى والمدح بكمال الصلاح مخصوص بالأنبياء « 1 » والمرسلين . قوله : حال ثالث من كلمة قال بعض الفضلاء وفي ختم هذه الصفات بقوله : وَمِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران : 46 ] سؤال وهو أن الوجاهة في الدنيا فسرت بالنبوة ولا شك أن منصب النبوة أرفع من منصب الصلاح بل كل واحدة من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحا فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح والجواب إذ لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأحوال والتروك مواظبا على النهج الأصلح وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ولهذا قال سليمان عليه السّلام وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [ النمل : 19 ] فلما عدد صفات عيسى عليه السّلام أردفه بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات قيل فيه نظر لأن الرجل لا يستنبىء حتى يكون في جميع الأحوال والتروك مواظبا على النهج القويم فتلك شرائط النبوة لاشتراط العصمة لها وأن قوله على النهج الأصلح فيه تسامح لأن الصلاح لا يتوقف على الأصلحية وأن دعاء سليمان عليه السّلام يراد به الدوام كالدعاء بقوله : تَوَفَّنِي مُسْلِماً [ يوسف : 101 ] .
--> ( 1 ) فاندفع الاستفسار بأن الصلاح أول درجات المؤمنين فما وجه المدح به من هو من أكابر الأنبياء لأن هذا ذهول عن قيد الكمال .