اسماعيل بن محمد القونوي
142
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 43 ] يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) قوله : ( أمرت بالصلاة في الجماعة ) وهو منفهم من قوله : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ آل عمران : 43 ] تخصيص الأمر بالصلاة للتنبيه على أن الصلاة أفضل القربات ( بذكر أركانها ) وهي القيام الدال عليه القنوت والركوع والسجود ( مبالغة في المحافظة عليها ) أي على الأركان وهو الظاهر والمراد بمحافظة الأركان محافظتها على وجه الكمال وفي التصريح بها مبالغة أو الصلاة لأن الأمر لكل جزء في مقام الأمر بالكل مبالغة في المحافظة عليها إذ في ذكر الشيء تفصيلا تقرير ليس في الإجمال وفيه « 1 » نظر لا يخفى فالأول هو المعول عليه . قوله : ( وقدم السجود على الركوع ) قال في قوله تعالى : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ « 2 » هذا احتراز عن صلاة اليهود فإن صلاة اليهود لا ركوع فيها ولا جماعة في صلاتهم فإن اليهود يصلون واحدا انتهى . فأمرت مريم رضي اللّه تعالى عنها بالركوع والصلاة مع الجماعة مخالفة لليهود لكن الأمر بها على هذا الوجه كيف يكون لها مع أن الظاهر لا نبي غير موسى عليه السّلام ولو سلم كونه نبيا آخر فأحكام التوراة غير منسوخة ح بالاتفاق وإنما الاختلاف في كونها منسوخة بالإنجيل فليحرر من محله وبنو إسرائيل كلهم مأمورون بأحكام التوراة وفي الكشاف أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها ثم قيل لها وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ بمعنى فلتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة وانضمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع فأمرت بأن تكون مع الراكعين انتهى . فح يتضح وجه اختيار واركعي مع الراكعين على واسجدي مع الساجدين والقول بأنه إذا كان المراد سجود التلاوة فقد وقع في مقامه ضعيف إذ لم يعرف كون سجود التلاوة ( إما لكونه كذلك في شريعتهم ) . قوله : أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة فعلى هذا يكون القنوت والسجود والركوع على حقيقتها لا مجازاة عن الصلاة أما وجه المبالغة فمن حيث إنه أمر بالصلاة جزءا فجزءا على التفصيل ولو قيل يا مريم صلي كان أمرا بالصلاة التي هي عبارة عن كل الأجزاء والأمر بأداء الأجزاء يكون ضمنيا لا مصرحا به وقيل جاز أن يكون هذا كناية أو مجازا أما الأول فلأن هذه الأركان لازمة للصلاة وقد ذكر اللازم وأريد به الملزوم أما الثاني فمن حيث إنه من باب إطلاق لفظ الجزء على الكل .
--> ( 1 ) إذ ذكر الشيء باللفظ الدال عليه مطابقة فيه تقرير ليس في ذكر أجزائه تفصيلا لاحتمال كون المراد بها نفسها لا الكل . ( 2 ) قال المص في تفسير قوله تعالى : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي في جماعاتهم فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة انتهى أشار إلى أن المعية المعية في الجماعة لا المعية في الزمان وحده .