اسماعيل بن محمد القونوي

140

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 42 ] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) قوله : ( كلموها شفاها كرامة لها « 1 » ) صيغة الجمع لورودها كذلك في النظم وإلا فالظاهر أن المتكلم جبرائيل وقد مر بيانه آنفا كرامة لها وهو دليل على جواز الكرامة للأولياء . قوله : ( ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة زكريا ) يرد عليه أن المعجزة ما ظهر في يد مدعي النبوة وهنا ليس كذلك ولعل لهذا قال أو إرهاصا لنبوة عيسى عليه السّلام والحاصل أن عيسى عليه السّلام لم يولد ح ففي كونه إرهاصا لنبوته نوع بعد ولضعفه قال زعم فالظاهر « 2 » أن ذلك الإرهاص تأسيس النبوة بظهور الخوارق كإطلال الغمام لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في طريق الشام وتكلم الحجر معه . قوله : ( أو إرهاصا لنبوة عيسى عليه السّلام فإن الإجماع ) أي قبل ظهور المخالفين فلا إشكال بأن دعوى الإجماع ليست بصحيحة لأنه ذهب إليه كثير من السلف ومال السبكي وابن السيد إلى ترجيحه ( على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا [ يوسف : 109 ] ) الآية والإرسال منه بالمعنى اللغوي وهو البعث بقرينة نُوحِي إِلَيْهِمْ [ يوسف : 109 ] إذ الإرسال حصر على رجال موصوفين بالوحي إليهم فلو لم يكن الإرسال بمعنى الاستنباء مطلقا لاختل الحصر فمن وهم أن الإرسال هنا أخص من الاستنباء فقد وهم فظهر من هذا البيان ضعف ما ذهب إليه السبكي وابن السيد بل لا يبعد أن يقال إن المفسرين أجمعوا على أن الإرسال في نحو هذه الآية بمعنى الاستنباء واستدلوا بها على أنه لم يرسل امرأة ولا ملك للدعوة العامة والتفصيل في سورة النحل وحكمته في سورة الأنعام . قوله : ( وقيل ألهموها ) الإلهام إلقاء الخير في قلب الغير بلا استفاضة فكرية منه وهذا معناه العرفي وفي اللغة الأعلام مطلقا مرضه إذ القول حقيقة في التكلم ولا صارف عنه قوله : أو ارهاصا لنبوة عيسى عليه السّلام الإرهاص من الرهص وهو الشاق الأسفل من الجدار وفي الاصطلاح أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كاظلال الغمام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتكلم الحجر والمدر وغير ذلك وصاحب الكشاف لم يتعرض إلى احتمال كونه كرامة لمريم بل أداره بين كونه معجزة زكريا أو ارهاصا لنبوة عيسى عليه السّلام لأنه ممن شكر كرامات الأولياء . قوله : فإن الإجماع تعليل لكون تكليمهم شفاها كرامة لمريم لا معجزة . قوله : لم يستنبىء امرأة أي لم يجعلها نبيا . قوله : وقيل الهموها عطف على كلموها .

--> ( 1 ) احتراز عن كون المراد بالتكلم الآلهة كما سيجيء شفاها بمعنى مشافة . ( 2 ) فالظاهر كونه كرامة لها وهو دليل على أن كرامات الأولياء حق .