اسماعيل بن محمد القونوي

121

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وعن النبي عليه السّلام ) رواه الشيخان « 1 » عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه ( ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه ) يعني لا يولد مولود في حال إلا في حال مس الشيطان ( حين يولد فيستهل ) أي يصيح صارخا ( من مس الشيطان ) إياه ( إلا مريم وابنها ) . قوله : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه ما من مولود مبتدأ خبره يولد وقوله إلا والشيطان يمسه حال كما في قوله تعالى : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ [ الحجر : 4 ] الحديث استشهاد على أن المراد من الإعاذة في قولها : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ آل عمران : 36 ] الإعاذة من مس الشيطان مريم حين ولادتها فإن كل مولود يمسه الشيطان وينخسه حين يولد ولهذا يصرخ إلا مريم وعيسى لا يمسهما لاستعاذة أمها . قوله : فيستهل الاستهلال رفع الصوت أول الأمر وأصله طلب رؤية الهلال ولما استلزم رؤية الهلال رفع الصوت بأن يقال هذا هو الهلال استعملوه في اللام فيكون مجازا حتى اشتهر فكاد أن يلحق بالحقيقة قال صاحب الكشاف وما يروى من الحديث « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها » فاللّه أعلم بصحته فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين وكذلك كل من في صفتهما كقوله : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 82 ، 83 ] واستهلاله صارخا تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيديه عليه ويقول هذا ممن أغويه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي : لما توزن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت صراخا وعياطا مما يبلونه به من نخسه إلى هنا كلامه مع أولا صحة الحديث بناء على أنه على خلاف الدليل وذلك أن الشيطان إنما يدعو الشر من له تمييز ولأنه لو سلط الشيطان على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وأجيب عن منع صحة الحديث بالحديث صححه مسلم والبخاري من غير قدح من غيرهما وعن سنده إن مس الشيطان لا يلزم أن يكون للإغواء حتى يلزم أن يكون الممسوس ذا تمييز وعن قوله لو سلط الشيطان على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا يمنع أن يكون ذلك المس في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا بالصراخ ويمنع أن تكون تلك المسة للإغواء ليدفع بأن الإغواء لا يتصور في حق المولود لعدم تمييزه حين يولد ثم قال فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان الخ يعني وعلى تقدير صحته فالمراد من المس الطمع في الإغواء لا حقيقة المس فورد عليه أنه لو كان المراد الإغواء لما اختص مريم وعيسى بالاستثناء لقوله : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ الحجر : 39 ، 40 ] فأجاب بأنه كما استثنى مريم وعيسى لأنهما معصومان كذلك كل من كان في صفتهما فورد عليه أن المس لو كان مجازا في معنى الإغواء لا حقيقة لم يترتب عليه استهلال الطفل فأجاب عنه بأن استهلاله تخييل وتصوير لطمع الشيطان كما أن بكاءه في قول الشاعر تخييل لابتلائه بصروف الدنيا قوله فرضي بها أي فرضي بمريم أو بالأنثى التي وضعتها امرأة عمران بدل الذكر يريد أن تقبل مجاز في معنى

--> ( 1 ) أي البخاري ومسلم رحمهما عن أبي هريرة فلا يعرف وجه قول الكشاف واللّه أعلم بصحته .