اسماعيل بن محمد القونوي
56
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قيل فلا تقربوها مع قوله : فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] ومنع تعدي الحدود « 1 » ومنع قربانه متدافعان لأن منع التعدي يشعر بجواز القربان وأجاب بأن منع القربان يفيد منع التعدي بطريق الأولى ولا يخفى عليك أن فضلا يفيد أن ما بعده أحرى بالحكم مما قبله وما بعده منهي عنه حقيقة وما قبله منهي كناية فلا يكونان على نسق واحد إلا أن يقال هذا بالنسبة وبالنظر إلى مجرد النهي . قوله : ( كما قال عليه السّلام إن لكل ملك حمى وإن حمى اللّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) حديث صحيح وهو من جوامع الكلم وإن حمى اللّه محارمه شبه المحارم بالحمى الذي يحميه السلطان عن غيره فلا يأذن لأحد أن يدخله فإن دخله أدبه وعذبه كذلك المحارم فمن ارتكبه استحق الوعيد وأصابه التوبيخ الشديد ثم نهى عن قربه لا لأن القرب في نفسه محظور بل لإفضائه إلى الوقوع في محارمه كمن قرب من الحمى وهو مؤيد للمنع من القرب لكن الحديث الشريف مؤيد أيضا لكون المراد بالحدود محارمه فالأولى تأخيره عن قوله ويجوز الخ ولا يبعد أن يقال إنه أشار به إلى أن المراد فلا تقربوها بالمخالفة فيرجع إلى النهي عن القرب إلى محارمه والتقابل بينه وبين قوله ويجوز باعتبار أن الثاني صريح في المحارم والأول بطريق الاستلزام ويوشك بمعنى يقرب . قوله : ( وهو أبلغ من قوله فَلا تَعْتَدُوها ) إما من المبالغة أو من البلاغة وجه قوله : وهو أبلغ من قوله : فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قيل : فَلا تَقْرَبُوها [ البقرة : 187 ] مع قوله : فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 187 ] قلت من كان في طاعة اللّه والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فهي أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل ليلا يداني الباطل وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الظرف فضلا أن يتحطاه كما قال رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم « إن لكل ملك حمى وحمى اللّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد . قوله : فهو منصرف في حيز الحق مشعر بأن إطلاق الحدود على الأحكام بطريق الاستعارة فإن الحدود في الحقيقة تكون في الاحياز قيل فإذا أريد بالحدود أحكام الشرع يكون النهي عن قربانها أمرا بتركها فيلزم وجوب تركها فما معنى هذا النهي وأجيب بأن في الآية تجوزا والتقدير أن
--> ( 1 ) لما كان الحد عبارة الخ عن الحاضر بين الحق والباطل يلزم أن يكون الحد شيئا آخر غيرهما وليس كذلك والجواب أن الحد من جملة الحق كما أن حدود الأرض من الأرض فهو نهاية الحق المشروع وجزء من مفهومه فمن جاوزه دخل في الباطل كمن جاوز الحد في الأرض دخل ملك غيره فالمراد بالحق جنس الحق وجنس الباطل فالأحكام الشرعية حدود لجنس الحق وافراد من جنسه فمن داوم عليها فلا يخرج عن دائرة الحق ومن لم يواظب عليها فيخرج عن دائرته ودخل في زمرة الخارجين والاشكال إنما نشاء من فهم أن المراد بالحق إفراد الحق الشخصية وكذا الباطل قوله لئلا يداني الباطل الخ إشارة إلى هذا البيان واللّه المستعان .