اسماعيل بن محمد القونوي

38

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ولم يقل راجين الرشد كما هو مقتضى الكلام للتنبيه على أن صيغة الاستقبال للاستمرار لا للحال والإصابة أدل على هذا المطلب بلا إشكال ( وقرىء بفتح الشين وكسرها ) . قوله : ( واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية ) هذا إشارة إلى وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها إذ فيه نوع خفاء فإن الكلام فيما قبلها وفيما بعدها في الصوم وهنا ليس كذلك فحاول بيانه وأوضح سبيله وإن لم يكن هذا من عادته . قوله : ( الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه ثم بين أحكام الصوم فقال أُحِلَّ لَكُمْ [ البقرة : 187 ] الآية ) خبير بأحوالهم مستفاد من قوله فإني قريب لأنه كما عرفت أنه مجاز عن قرب علمه وهو شامل للسمع ولذا قال سميع لأقوالهم وشامل للبصر أيضا فلو قال بصير لأفعالهم قوله : واعلم أنه تعالى الخ يريد به أن هذا الكلام الواقع بين أثناء أحكام الصوم وهو قوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي [ البقرة : 186 ] إلى قوله تعالى : لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [ البقرة : 186 ] ليس بأجنبي في البين بل له اتصال معنوي بما قبله وأنه اعتراض جيء به للدلالة على أنه تعالى خبير بأحوال المأمورين بالصوم وأعمالهم سميع لأقوالهم مجاز على أفعالهم وأقوالهم تأكيدا للأمر بالصيام ومراعاة العدة والحث على القيام بالوظائف المتعلقة بأعمال الصيام من إكمال العدة والتكبير بالحمد على هدايتهم إلى طريق الإتيان بموجب الأمر والشكر له تعالى على نعمة الاهتداء إليه وحثا عليه أي على صوم الشهر ومراعاة لعدة والقيام بالوظائف المذكورة قال الإمام في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول أنه تعالى لما قال بعد إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 185 ] فأمر العبد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر بين سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه ويجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه الثاني أنه أمره بالتكبير أولا ثم رغبه في الدعاء تنبيها على أن الدعاء لا بد أن يكون مسبوقا بالثناء الجميل ألا يرى أن الخليل عليه السّلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء فقال أولا الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] إلى قوله وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [ الشعراء : 82 ] فكل هذا ثناء منه على اللّه تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] فكذا ههنا أمر بالتكبير أولا ثم رغب في الدعاء ثانيا الثالث أن اللّه تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف ثم قدموا وسألوا النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم عن توبتهم فأنزل اللّه هذه الآية مخبرا بقبول توبتهم ونسخ ذلك التشديد بسبب تضرعهم ودعائهم وقال الإمام في الآية سؤال مشكل مشهور وهو أنه تعالى قال : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] وقال في هذه الآية : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] وكذلك قال أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [ النمل : 62 ] إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب والجواب أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه وردت آية أخرى مقيدة وهي قوله بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ [ الأنعام : 41 ] فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ولا شك أن المطلق محمول على المقيد .