اسماعيل بن محمد القونوي
3
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
[ المجلد الخامس ] بسم اللّه الرّحمن الرحيم قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 183 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) قوله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية على وجه التلاقي لما فرط من المخلين بما ذكر من أصول الدين والفروع التي يدور عليها صلاح المعاش والمعاد ولما أوقع أهل الكتاب الخلل في الصوم المشروع خص فرضية الصيام بالذكر هنا أثر بيان كتب القصاص والوصية لأنهما مما فرط فيه أهل الكتاب وتكرير النداء لما فيه من المشقة على النفوس الغير المطمئنة أقبل عليهم بالخطاب جبرا لكلفة المشقة بلذة المخاطبة وإنما لم يكرر في الوصية لقرب عهد ذكر النداء مع أن فيها سهولة لكونها حين مفارقة الدنيا والتوجه إلى العقبى وعدم الاحتياج إلى المال الأفنى . قوله : ( يعني الأنبياء عليهم السّلام والأمم ) تفسير للذين وتنبيه على أنه غير مختص بالأنبياء كبعض الأحكام فلا إشكال بأن ذكر الأنبياء يغني عن ذكر الأمم . قوله : ( من لدن آدم ) ناظر إلى من قبلكم إذ هو يحتمل احتمالا كثيرا أي أنه عبادة قديمة ما خلا أمة من افتراضه عليهم وإن كان متفاوتا في الوقت والمقدار . قوله : ( وفيه تأكيد للحكم وترغيب على الفعل وتطييب على النفس ) إذ الشاق إذا عم سهل على النفس انقياده ورغب كل مكلف إتيانه والمراد بالتطييب التسلية هنا فالعطف على الترغيب عطف العلة على المعلول أو العكس ذهنا وأما وجه التوكيد فلأنهم يعملون من كونه فرضا على جميعهم أنه مما يهتم بشأنه ويجب المبادرة إلى تحصيله . قوله : ( والصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس ) مطلقا لا عن الطعم فقط كما توهم قوله : وفيه تأكيد للحكم أي في تشبيه وجوبه على هذه الأمة بوجوبه على من قبلهم من الأنبياء والأمم توكيد الحكم بوجوب الصيام فإن بيان كون الصوم عبادة قديمة فيه توكيد للحكم بوجوبه وحث النفوس عليه وتطييبه على النفس يعني لا ينبغي أن يشق عليكم شرعية الصوم لأنكم لستم بمخصوصين فيها لأنها سنة الأنبياء السالفة والأمم الماضية كما قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . قوله : فإنها معظم ما تشتهيه الأنفس يعني سبب تخصيص الشرع الإمساك عن مشتهيات النفس وهي كثيرة بالإمساك عن المفطرات هو كون المفطرات معظم مشتهياتها وإن الإمساك عنها يستلزم إمساك النفس عما سواها لأن الأكل والشرب والوقاع إذا توغلت النفس فيها هاج جميع قواها الداعية