اسماعيل بن محمد القونوي

48

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أيضا دليل على اعترافهم بنبوته عليه السّلام لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك لما امتنعوا من التمني . قوله : ( وكان كما أخبر لأنهم لو تمنوا الموت لنقل واشتهر ) لتوفر الدواعي على نقله كذا قاله المصنف في عدم معارضة القرآن حيث قال فإنهم لو عارضوه بشيء لا متنع خفاؤه عادة فالعادة قاضية بالنقل في مثله « 1 » بل بالتواتر فلما لم ينقل علم أنه لم يقع . قوله : ( فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى بل هو أن يقول ليت لي كذا ) حتى « 2 » يقال إنه كيف يكون معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم أنه لم يتمن أحد فإنه أمر قلبي لا يطلع عليه بل هو قول القائل ليت ونحوه مما يؤدي مؤداه فالاطلاع عليه ممكن ولا يخفى عليك أن التمني طلب حصول الشيء على سبيل المحبة وهو أمر قلبي واللفظ الموضوع له ليت وقوله فإن التمني ليس من عمل القلب عجب فالحق ما قاله ثانيا ( ولو كان بالقلب لقالوا تمنينا ) وإن أمكن المناقشة في الملازمة فإن كثيرا من الأشياء يتمنى ويطلب ولا يذكر لفظ يدل عليه إلا أن يقال إنه لو تمنوا بالقلب فلزم أن يقولوا باللسان تمنينا امتثالا « 3 » للأمر وإظهارا لتيقنهم أنهم من أهل الجنة والنعم سالمة لهم لا يشاركهم فيها غيرهم ثم المراد بالتمني بمعنى الترجي لأن المتمني إذا كان ممكنا يجب أن لا يكون لك توقع وطماعية في حصوله كما صرح به في المطول وهنا المطلوب منهم تمني الموت متوقعين ومترصدين لحصوله ووقوعه ووقوع الموت قبل انقضاء عمرهم وإن كان مستحيلا لكن الكلام ليس في الوقوع بل في طماعية الوقوع وقوله فيما سلف لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها الخ شاهد عدل على ما ذكرنا فكأنه قيل فاشتاقوا إلى الجنة بطلب الموت المؤدي إليها طلبا مع توقع في وقوعه والتعبير بالتمني حينئذ للإشارة إلى أن ذلك الطلب مستحيل منهم . قوله : ( وعن النبي عليه السّلام لو تمنوا الموت ) قيل أخرجه البيهقي في الدلائل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما مرفوعا بلفظ لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لي موقوفا لو تمنوه يوم قالهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات وأخرج الترمذي والبخاري عن ابن عباس مرفوعا ولفظه لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا هذا ويدل على عمومه لجميع اليهود في جميع الأعصار وهو المشهور الموافق لظاهر النظم وما رواه ابن جرير يدل على تخصيصه بعصره صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ولذلك اختلف فيه المفسرون لكن

--> ( 1 ) مع كثرة اليهود وغيرهم من الطاعنين في الإسلام . ( 2 ) قوله حتى يقال الخ فإن قيل لا وجه لأصل السؤال لأنه تعالى أخبر بأنهم لن يتمنوه ولا شك في خبره قلنا القصد إلى اثبات أنه إخبار عن الغيب ليثبت كونه معجزا حتى يثبت أنه كلامه تعالى فلو أثبت صدقه بكونه كلام اللّه تعالى لكان مصادرة كذا قاله مولانا خسرو لكن فيه نظر لأن كونه كلام اللّه يثبت بإعجازه ثم أثبت صدقه بكونه كلام اللّه تعالى فمن أين يلزم المصادرة فالحق إنه لا وجه لأصل السؤال . ( 3 ) وقريب منه ما قيل ولو سلم أنه أمر قلبي فهذا مذكور على طريق المحاجة واظهار المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قيل لامرأته أنت طالق إن شئت أو أحببت فإنه يعلق بالإخبار لا بالإضمار والإخبار بالملأ لا بالخلوة .