اسماعيل بن محمد القونوي
38
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فنسوا فعبدوا العجل إلى أن رجع موسى عليه السّلام من الطور فمنشأ عبادتهم العجل كونهم مجسمة أو حلولية لما كان أحدهما كافيا في السببية أورد بلفظة أو في قوله أو حلولية وإلا فالظاهر أنهم مجسمة وحلولية معا وما وقع في بعض النسخ وحلولية بالواو الواصلة يؤيد ما ذكرنا لأنهم إذا كانوا مجسمة يجوزون أن يكون جسما من الأجسام إلها فالتخصيص بالعجل لكونه أعجب جسما في أعينهم وكذلك إذا كانوا حلولية يجوزون حلوله في جسم من الأجسام تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا وبهذا البيان يندفع إشكالان الأول أن الكفر لو كان سببا لإشراب العجل لوجد هو أو مثله في سائر الكفرة على أن المراد بسببية ذلك السببية في الجملة إلا السبب التام فلا إشكال رأسا والثاني ما ذكره الإمام أن جمعا عظيما من العقلاء كيف اتفقوا على ما يعلم فساده ببداهة العقل من كون تمثال حيوان هو مثل في البلادة إله السماوات والأرض سيما وقد شاهدوا قبل ذلك من موسى عليه السّلام ما يقرب من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع من المعجزات الباهرة الظاهرة وأما العابدون للأصنام فلا يدعون أنهم آلهة بهذا المعنى الذي ادعاه عبدة العجل بل هم يقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] فلا يحتاج صنيعهم الباطل إلى التمحل قيل إن المجسمة والحلولية فرقتان متغايرتان فإن قول الأولى هو أن الإله ذات قديم له جسم قديم معه وقول الثانية هو أن الإله ذات قديم يحل في بعض الأجسام الحادثة فيصح الجمع بينهما فنسخة الواو صحيحة دون نسخة أو إذ لا شبهة في حدوث العجل وأجيب بأنه لا يصح الجمع بينهما لما عرفت من أنهما متغايرتان وأما قوله إذ لا شبهة الخ فممنوع ولم لا يجوز أن يتوهم بعضهم أن يكون العجل جسما قديما ظهر على يد السامري فإن أكثرهم لم يحضروا عند السامري حيثما صنعه وفيه نظر لا يخفى « 1 » فالأولى الاكتفاء بقوله حلولية وكيفية تسويل السامري أي تزيينه مبينة في سورة طه . قوله : ( إيمانكم ) في إضافة الإيمان إليهم تنبيه أن مثل هذا لا يسمى إيمانا في نفس الأمر إلا بالإضافة إليهم مع ما فيه من التهكم الحاصل بإسناد الأمر إليه ومثل هذا التهكم لا يكون من قبيل الاستعارة التهكمية قوله أي بالتورية إذ الاخبار بأن إيمانهم يأمر بعبادة ما هو غاية في البلاهة مع أن شأن الإيمان الحقيقي الأمر بالعلم والحكمة في غاية من الاستهزاء
--> ( 1 ) وجه النظر هو أنه لما كانت المجسمة والحلولية فرقتين متغايرتين ينبغي أن يكتفي بأحدهما بل بالحلولية إذ الظاهر أن عدة العجل فرقة واحدة إلا أن يقال إن بعضهم مجسمة وبعضهم الآخر حلولية وأيضا حدوث العجل مما لا يقبل النزاع إذ قوله تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا الآية وقوله تعالى : حكاية عنهم قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الآية صريح في الحدوث عند الكل فكيف يقال إنه يجوز أن يتوهم بعضم أنه جسم قديم وأيضا بيان المجيب يقتضي عدم صحة نسخة الواو ثم كيف يقال إن أكثرهم لم يحضرون عند السامري حيثما صنعه ومن أين يعلم ذلك وينبغي أن يتجنب عن تقول مثل هذا الذي يشكل بيانه ويمتنع إثباته لا سيما حين دلالة النظم على خلافه كما عرفته وأيضا لا يقوم دليل على امتناع كون فرقة واحدة مجسمة وحلولية معا فالأولى الاكتفاء بقوله أو حلولية .