اسماعيل بن محمد القونوي

36

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الأمر بالأخذ بقوة وبهذه القرينة يفهم هذا القيد من مطلق الأمر بالسماع ( قالُوا سَمِعْنا قولك ) ( وَعَصَيْنا أمرك ) وفي الكشاف فإن قلت كيف طابق جوابهم قلت طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وتقيل فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة يعني المأمور به ليس مطلق السماع بل سماع مراد به القبول كقوله سمع اللّه لمن حمده وقوله دعوت اللّه حتى خفت أن لا يكون اللّه يسمع ما أقول فأجابوا بنفي هذا القيد قيل وهذا بناء على أنهم أجابوا بهذا اللفظ كما يتبادر من النظم وقال أبو منصور إن قولهم عصينا ليس على أثر قولهم سمعنا بل بعد زمان كما في قوله ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ [ البقرة : 64 ] فلا حاجة إلى دفعه بما ذكر لكن هذا في غاية البعد ولهذا سلك الزمخشري مسلكا غيره وأن قول أبي منصور فإنهم لما أبوا من قبول التورية لما فيها من الشدائد رفع اللّه تعالى الجبل فوقهم فقبلوها خوفا وقالوا سمعنا وأطعنا فلما زال الجبل وآمنوا قالوا عصينا لا يلائم آخره أوله ولا يفهم من النظم هنا فإنهم إذا قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ البقرة : 285 ] ظهرت مطابقة الجواب ثم قولهم بعد أوقات عصينا لا يضره أصلا لأنه رفع بعد مطابقة الجواب وبعد تمامها لا يضره العصيان اللاحق بعد زمان وأيضا لا تعرض في النظم الكريم لقولهم وأطعنا بعد قولهم سمعنا فأين يعلم هذا . قوله : ( تداخلهم حبه ) « 1 » صيغة التفاعل للمبالغة لما كان العجل مما لا يشرب وليس من شأنه التداخل أشار إلى أن المضاف وهو الحب محذوف حذف لدلالة العادة عليه ولأمر ما لم يقل تداخلهم عبادته مع أنه المقصود فإن العبادة ليست من شأنها التداخل والإشراب فكنى عنها بالحب . قوله : تداخلهم حبه كما يتداخل الثوب الصبغ قال الجوهري والإشراب لون قد أشرب من لون يقال أشرب الأبيض حمرة أي علاه ذلك وفيه شربة من حمرة ومنه قوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] أراد حب العجل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقال الزجاج سقوا حب العجل فحذف الحب وأقيم العجل مقامه وقال صاحب النهاية وفي الحديث أشربته قلوبكم أي سقيته قلوبكم كما يسقى العطشان الماء وأشرب قلبه كذا أي حل محل الشراب أو اختلط كما يختلط الصبغ بالثوب إلى هنا كلامه وحقيقة أشربه كذا جعله شاربا لذلك فالمعنى جعلوا شاربين حب العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما يتغلغل فيه قال الراغب من عاداتهم إذا أرادوا مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب إذ هو أبلغ مساغ في البدن ولذلك قالت الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية وقال الشاعر : تغلغل حيث لم يبلغ شراب * ولا حزن ولم يبلغ سرور

--> ( 1 ) أي أن معنى أشربوا جعلوا شاربين للعجل على أن الهمزة للتعدية وأن حقيقة الشرب ايصال ما لا يمضغ إلى الجوف نحو الماء فأول الشرب بالتداخل بعلاقة التمكن والرسوخ ثم أشار إلى أن في الكلام حذف مضاف فالمعنى فأدخل حب العجل في قلوبهم ادخالا فتداخل فيها تداخل الماء أعضاء الشارب ففيه استعارة تبعية وتمكن استعارة تمثيلية فلا تغفل .