اسماعيل بن محمد القونوي

31

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مصدقا أنه نازل على حسب ما نعت في التورية أو مطابق لها في القصص والمواعد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش فقد كفروا بها أي بالتورية فقوله نؤمن بما أنزل علينا كاذب مردود لأن إنكار القرآن إنكار لما في التورية فالإيمان بها والكفر بسائره لا يجتمعان بل لو فرض اجتماعهما يلزم اجتماع الضدين فلا التفات إلى القول بأن الكفر بالقرآن إنما يستلزم الكفر بما يصدقه أن لو كفروا وقالوا إنه كذب كله وأما إذا كفروا بأنه كلام اللّه واعتقدوا بأن فيه الصادق والكاذب فلا لأنه من أضغاث الأحلام يتنفر عنه العلماء الأعلام قل يا أيها الرسول توبيخا لهم فلم تقتلون الفاء للسببية جواب شرط مقدر أي إن كنتم آمنتم بالتورية كما زعمتم فَلِمَ تَقْتُلُونَ [ البقرة : 91 ] الآية وما استفهامية حذف ألفها كما هو المتعارف فرقا بينها وبين ما الموصولة سؤال عن سبب القتل وإنكار له فحينئذ يكون قوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كالتأكيد له لأنه حذف منه الجواب كما حذف الشرط في الأول على طريق الاحتباك وتقتلون حكاية للحال الماضية أو للاستمرار ولم يذكر هنا تكذيبهم فريقا من الأنبياء لأن شناعة القتل لا سيما الأنبياء لا يضبطه القلم . قوله : ( اعتراض عليهم بقتل الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتورية والتورية لا تسوغه وإنما أسند إليهم لأنه فعل آبائهم وأنهم راضون به عازمون عليه وقرأ نافع وحده أنبئاء اللّه مهموزا والثانية هو الحق والثالثة مصدقا للتقييد بالحال الأولى قولهم نؤمن بما أنزل علينا مقيدة بالثانية المؤكدة بالثالثة أفاد الرد لمقالهم ذلك وتكذيبهم فيها . قوله : اعتراض عليهم بقتل الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتورية والتورية لا تسوغه فالفاء في فَلِمَ تَقْتُلُونَ جواب شرط محذوف تقديره قل إن كنتم تؤمنون بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء اللّه والحال أن ما أنزل إليكم لا يجوز قتل الأنبياء ولقائل أن يقول إن الضمير في قوله وإذا قيل لهم آمنوا لليهود الموجودين في زمان النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وأنهم ما قتلوا الأنبياء إذ الأنبياء ما كانوا موجودين في زمانهم وغاية ما في الباب أن أسلافهم قتلوهم فكيف يرد الاعتراض على الموجودين بلم تقتلون أنبياء اللّه مع أن القتل إنما صدر من أسلافهم دونهم فأشار المصنف رحمه اللّه إلى جوابه بقوله وإنما أسنده إليهم الخ أي وإنما أسند القتل إلى الموجودين لأنه فعل آبائهم فيكون من باب المجاز في الإسناد أسند فعل الآباء إلى الأبناء لملابسة بين الآباء والأبناء فهو كما يقال لأهل قبيلة أنتم قتلتم زيدا إذا كان القاتل أباهم وقد يجاب بأن قولهم نؤمن بما أنزل علينا معناه أنا وأسلافنا نؤمن به أي نؤمن به كما آمن أسلافنا فلما ادعوا إيمانهم وإيمان أسلافهم توجه الاعتراض عليهم بأنكم وآباءكم لو آمنتم بالتورية فلم قتلوا الأنبياء فقوله فلم تقتلون من التغليب وأما الجمع بين تقتلون وقبل فلأنه حكاية حال ماضية قيل فيه تأمل وهو أن قتلهم الأنبياء بغير مسوغ في التورية لا يدل على أنهم ليسوا بمؤمنين به لجواز أنهم قتلوا فسقا كالمؤمن بالقرآن إذا قتل نفسا بغير حق وأجيب بأنهم إن فعلوا ذلك عن تبدل اعتقاد كان قتلهم للأنبياء كفرهم بالتورية وإلا فحين تركوا العمل بما فيه عدوا غير مؤمنين بها لأن الإيمان فائدته العمل به فيكون المعنى إن صدقتم في ادعائكم الإيمان بالتورية فلم لا تعملون بموجب إيمانكم وتقتلون أنبياء اللّه والتورية لا تسوغ قتل الأنبياء . قوله : أسنده إليهم لأنه فعل آبائهم فإسناد القتل إليهم إسناد مجازي أسند فعل الآباء إلى