اسماعيل بن محمد القونوي
26
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
عليه وتقدير اللام في أن ينزل مرة ثم تقدير على مرة يؤيد ما ذكرناه من للطلب معنى وللحسد معنى آخر لا عطف تفسير له . قوله : ( على من اختاره بالرسالة ) لإحرازهم الفضائل النفسانية والكمالات القدسية فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته وهم المستأهلون لتحمل أعباء الرسالة وهؤلاء الضالون المضلون يطلبون ذلك المنصب العظيم فأنى لهم ذلك مع طغيانهم الجسيم . قوله : ( للكفر والحسد ) أي الغضب الأول لحسدهم بما أنزل اللّه مع عرفانهم والغضب الثاني لكفرهم ( على من هو أفضل الخلق ) وهو نبي آخر الزمان المبعوث بالقرآن ففي كلامه إشارة إلى أن قوله عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ البقرة : 90 ] كناية عن الموصوف بالصفة للتفخيم وإلى أن النبوة مجرد فضل من اللّه تعالى غير مكتسب وأما كونه عليه السّلام أفضل الخلق فثابت بدليل آخر ولا دلالة هنا عليه وإنما تعرض لذلك لبيان فرط قبح حسدهم حيث كان على أفضل جميع الكائنات وفيه تنبيه أيضا على أن الحسد في الحقيقة على المنزل عليه وإن كان في الظاهر على التنزيل أو الإنزال كما ذكرناه آنفا . قوله : ( وقيل لكفرهم ) أي تضاعف الغضب ليس للكفر والحسد بل لكفر تضاعف بكفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الكفر بعيسى عليه السّلام أو لكفرهم ( بمحمد عليه السّلام بعد كفرهم ) بقولهم عزير ابن اللّه فالغضب الأول لكفرهم بمحمد عليه السّلام والغضب الثاني لكفرهم ( بعيسى عليه السّلام أو بعد قولهم ) لكفرهم ( عزير ابن اللّه ) مرضه لأنه لا يلائم ما قبله مع أن الفاء التفريعية في فباؤوا كالنص على الوجه الأول إذ المعنى وإذا كان الأمر كذلك فباؤوا أي فصاروا أحقاء بغضب متضاعف لأنهم كفروا بأفضل الخلق وحسدوا عليه وأما الوجه الآخر فلا مساس له بالتفريع إلا أن يقال إن اعتبار كفرهم بنبي آخر الزمان كاف في التفريع ولا يلزم مدخلية كل ما ذكر في حيز التفريع في التفريع وقد مر نظيره في بعض قوله : لأن ينزل يعني أن ينزل مقدر بحرف الجر فتقدير اللام على أنه علة البغي وتقدير على أنه إنما هو على أنه متعلق بمعنى الحسد المدلول عليه بالبغي لأنه طلب ما ليس لهم كما أن الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للحسود من جاه ومنزله وخصلة حميدة مع زواله من ذلك وقيل البغي هو الظلم أعم من الحسد لاقتضاء الكلام قيل فيه نظر لأن ذكر الأعم وإرادة الأخص لا يجوز لعدم دلالته عليه وقد فسر هنا بالحسد وقيل يقال بغيت على أخيك أي حسدته فالبغي أصله الحسد ثم يذكر ويراد به الظلم لأن الحاسد ظلم المحسود طلبا لإزالة نعم اللّه عنه وهذا لأن الحسد طلب تمني إزالة نعمة المحسود إلى المتمني وقيل إليه وإلى غيره فقوله طلبا لما ليس لهم وحسدا تفسير بغيا . قوله : للكفر والحسد يعني ترادف عليهم الغضب لترادف جريمتهم وهي الكفر والحسد وفي الكشاف فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ فصاروا احقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه يدل على هذا الاستحقاق ترتب الحكم بالفاء على الوصف المشعر بالعلية وكذا قوله وقيل لكفرهم بمحمد بعد عيسى عليهما الصلاة والسّلام أو بعد قولهم عزير ابن اللّه إشارة إلى ترادف موجب ترادف الغضب .