اسماعيل بن محمد القونوي
20
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ذهب إليه الفراء من أن لما الثانية مع جوابها جواب الأولى فإن الفاء لا تقع في جواب لما مع أنه ماض في أفصح الكلام وإلى رد ما ذهب إليه المبرد من أن كفروا جواب لما الأولى والثانية مكررة لطول الكلام فحينئذ يكون المراد بما عرفوا القرآن ولا يخفى أن التأسيس أولى من التأكيد وإلى رد ما قيل إنه جواب لهما فإن كون الشيء الواحد جوابا لهما مما لا نظير له وكانوا من قبل الآية وهذا مع ما عطف من قوله فَلَمَّا جاءَهُمْ [ البقرة : 89 ] من الشرط والجزاء جملة معطوفة على جملة لما جاءهم بعد تمامها والجامع أن الجملة الأولى تدل على سوء معاملتهم مع الكتاب الذي هو مصدق لما معهم والجملة الثانية تدل على سوء معاملتهم مع الرسول الذي كانوا يستفتحون وإليه أي إلى ما اختاره المنصف ذهب الأخفش والزجاج وعلى ما اختاره الفراء والمبرد يكون قوله : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ [ البقرة : 89 ] الآية جملة حالية بتقدير قد أي كفروا هؤلاء المعاندون لما جاءهم الكتاب المصدق لما معهم والحال أنهم كانوا يستفتحون على الكفار بمن أنزل عليه والكفر شنيع في نفسه وحال مقارنته لهذه الحال أشنع وأغرب . قوله : ( أي يستنصرون ) به ( على المشركين ) أي بالنبي عليه السّلام بقرينة قوله ( ويقولون « 1 » إذا قاتلوهم اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان ) فالمرجع مذكور حينئذ حكما لدلالة ذكر القرآن عليه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ولا يبعد أن يرجع الضمير إلى القرآن وإن خالف ما ذكره المصنف فعلى هذا سين الاستفعال على حقيقته إذ المعنى كما عرفت يطلبون من اللّه تعالى أن ينصرهم أشار إليه بقوله ويقولون اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان ( المنعوت في التورية ) . قوله : ( أو يستفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيا يبعث فيهم وقد قرب زمانه والسين ) أشار هنا إلى أن السين ليس للطلب بل ( للمبالغة ) وإلى أن الاستفتاح باق على معنى الفتح وليس للنصرة كما في الأول لكن الفتح هنا بمعنى التعريف ولذا عطف عليه يعرفونهم عطف تفسيري له وهو معنى مجازي له أيضا إذ أصل الفتح إزالة الإغلاق المحسوسة كفتح الباب ويستعمل في غيره مجازا كفتح المشكلات وفتح القضية لفصلها ولذا قيل فتاح بمعنى الحاكم ويقال الفتح للظفر لكونه مزيلا للموانع ولما كان هذا التعريف مزيلا لجهلهم يطلق عليه الفتح بجامع الإزالة كما أن النصرة مزيلة للموانع وشوكة الأعداء ومن هذا استعمل الفتح المزيل للإغلاق في النصرة . قوله : ( وللإشعار بأن الفاعل ) عطف على المبالغة عطف العلة على المعلول قوله بأن قوله : والإشعار بأن الفاعل يسأل عن ذلك معنى الإشعار بالسؤال إنما يستفاد بطريق التخييل
--> ( 1 ) روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التورية ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي وقالوا اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون ففي هذا المعنى زيادة التوبيخ ولهذا قدمه .