اسماعيل بن محمد القونوي
16
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تقول ) فلو كان ما تقول حقا لحفظت القلوب لكن التالي منتف وكذا المقدم فيكون قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] إشارة إلى دليل على عدم حقيقة ما يقول على زعمهم فالقائلون حينئذ أحبارهم وأشرارهم وكذا الكلام أيضا استعارة شبه قلوبهم بالغلاف في مطلق الظرفية فذكر اسم المشبه به وأريد المشبه وهذا وجه ثان من الوجوه الثلاثة . قوله : ( أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره ) أي كما أن الغلاف مستغن عن غير ما حل فيه من المظروف كذلك القلوب مستغنية عن غير ما تحقق فيها من العلوم فيدخل ما يقوله الرسول دخولا أوليا فيعلم استغناؤها عنه بطريق ولهذه المبالغة لم يقل عن قول تقوله مع أنه مراده ولا يلاحظ فيه أن قلوبهم لا تعي ما يقوله الرسول « 1 » فحينئذ لا يدل هذا القول على شدة شكيمتهم فلذا أخر هذا الوجه الثالث من الوجوه الثلاثة . قوله : ( رد لما قالوا والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ولكن اللّه خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم ) أي ليس الأمر كما يزعمون من أن قلوبهم مغطاة بأصل الخلقة بل هي في أصل الفطرة غير مغطاة لكونها فطرة للتمكن من القبول ولكن قلوبهم مختومة غير قابلة للحق بسبب خذلانهم الناشئ عن كفرهم فبطل استعدادهم بحسب الفطرة والحاصل أن قلوبهم مغشاة بأغطية لكن لأجل ما زعموا من خلقت كذلك بل لسبب عارض وقد مر توضيحه في درس ختم اللّه على قلوبهم وهذا ناظر إلى الوجه الأول . قوله : ( أو أنها لم تاب قبول ما تقوله لخلل فيه ) أي أن إباء القلوب واقع لكن لا لأجل خلل فيما يقوله الرسول كما ادعوه ( بل لأن اللّه خذلهم ) أي ختم على قلوبهم وأحدث في نفوسهم هيئة بحيث لا ينفذ فيها الحق ومنشأ إحداث تلك الهيئة ( بكفرهم ) وانهماكهم في التقليد وإعراضهم عن النظر الصحيح فلا إشكال أصلا وهذا ناظر إلى الوجه الثاني في تفسير قُلُوبُنا غُلْفٌ وأشار في الموضعين إلى أن معنى اللعن الخذلان وعدم التوفيق قوله ( كما قال تعالى فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [ محمد : 23 ] إشارة إلى ما ذكرناه من أن المراد بتغشية قلوبهم إحداث هيئة مانعة عن نفوذ الحق وكذا المراد بالصمم والعمى إحداث تلك الهيئة بحيث لا تجتلي بسببها الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين وأسماعهم نكرة عن استماع الحق وهذا معنى قوله فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [ محمد : 23 ] . قوله : أو أنها لم تاب أي أو أن قلوبهم لم تاب عن قبول ما تقوله يا محمد لخلل فيما تقوله لأنك تدعو إلى الحق وتهدي إلى الصراط السوي الموصل إلى الدولة الأبدية فسره على ثلاثة أوجه الوجه الأول مبنى على نفي الملك عن قبول الحق من جهة قلوبهم والثاني على نفيه من جهة المدعو إليه وهذان الوجهان ناظران إلى التفسير الأول من تفسيري قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] والوجه الثالث وهو قوله أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى العلم ناظرا إلى التفسير الثاني من ذينك التفسيرين .
--> ( 1 ) بل الظاهر أن يكون معناه حينئذ هب أن ما تقوله علم وحق لكن لا حاجة لنا فيه إذ عندنا ما يكفينا .