اسماعيل بن محمد القونوي
91
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المشبهة بالتراخي في الزمان فإن ثُمَّ [ البقرة : 29 ] في قوله تعالى ثم كان للتراخي الرتبي فإن اسم كان ضمير راجع إلى فاعل فَلَا اقْتَحَمَ [ البلد : 11 ] وهو الإنسان الكافر قوله : فَكُّ رَقَبَةٍ [ البلد : 13 ] إلى قوله : ثُمَّ كانَ تفسير للعقبة والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليهما لكن ثم هنا للتراخي الرتبي مجازا . قوله : ( لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ قوله : فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى : وإنما قال ظاهر قوله بناء على احتمال كون دَحاها [ النازعات : 30 ] مستأنفا على ما أشار إليه بقوله إلا أن يستأنف بدحاها وتحقيق الكلام في هذا المحل أن الآيات النازلة في هذا المعنى في ثلاث سور الأولى ما نحن فيه وهو قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ البقرة : 29 ] والثانية في سورة حم السجدة وهي قوله تعالى : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ، 12 ] والثالثة في قوله تعالى في سورة النازعات : أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 27 ، 30 ] والآية الأولى تدل على أن خلق ما في الأرض قبل خلق السماء وذلك يستلزم أن يكون خلق الأرض أيضا قبل السماء وهو واضح والثانية تدل على أن الأرض وما فيها خلقها في أربعة أيام ثم استوى إلى السماء فقضيهن سبع سماوات فهو يوافق الأولى في ذلك المعنى والثالثة تدل على أن اللّه تعالى بنى السماء ورفع سمكها فسويها واظلم ليلها وأبرز شمسها ثم بعد ذلك دحا الأرض وهي على خلاف الأولين في ذلك المعنى فالتلفيق بينها وبين الأوليين بأن يقال جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماوات لما روي عن الحسن خلق اللّه الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منه السماوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منه الأرض فذلك قوله : كانَتا رَتْقاً [ الأنبياء : 30 ] وهو الالتزاق ورده الإمام بأن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن دحوها فإذا كان الدحو متأخرا عن خلق السماء كان خلقها أيضا كذلك وإذا كان لم يندفع التناقض ورد بعضهم التأييد بما روي عن الحسن بأن الآية الثانية تدل على تقديم الايجاد والدحو معا على خلق السماء فإنه قال فيها وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [ فصلت : 10 ] ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بعد الدحو قال الفاضل أكمل الدين وأجاب شيخي العلامة عن رد الإمام بأن امتناع انفكاك خلقها عن دحوها ممنوع لجواز أن يخلع الجسيم الصغير مقدارا صغيرا ويقبل مقدارا كبيرا بالتخلخل وبه يندفع البتة ذلك ودفع التناقض بجعل الخلق بمعنى التقدير والمعنى قدر لكم ما في الأرض جميعا ثم خلق السماوات السبع وسويهن وهو سهل مأخذا مما ذكر ومنهم من دفعه بأن قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] يقتضي تقديم خلق السماء على دحو الأرض ولا يقتضي تقديم تسوية السماء على خلق الأرض فلا تناقض ورد الإمام بأن قوله : أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها [ النازعات : 27 ، 28 ] يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدمين على دحو الأرض لكن دحو الأرض ملازم لخلق ذات الأرض