اسماعيل بن محمد القونوي
89
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الاستواء في الآية الكريمة بمعنى القصد أوفق للأصل لأصل المعنى وهو طلب السواء قيل لكن عرفت ما فيه وقد عرفت دفعه فتذكر وإنما كان أوفق لظهور المناسبة فإن القصد إلى الشيء بإرادته طالب تسويته وخلقه مصونا عن التفاوت والعوج فإن طلب التسوية معناه خلقه مستويا من قبيل ضيق فم البئر والأوفق للصلة المعدى بها وهو إلى فهي مناسب للقصد دون الاستيلاء فإن صلته كما عرفت لفظة على كأنه زيف الاستشهاد المذكور بأن الاستواء في البيت معدى بعلى فيكون بمعنى الاستيلاء وهنا معدى بإلى فأين هذا من ذلك ومن اعترض على المص بهذا فقد غفل عن مراد المص وصيغة التفضيل هنا مثل قولهم الصيف أحر من الشتاء فلا حاجة إلى أن يقال وإنما قال أوفق لكون الاستيلاء سببا لنفاذ الأمر فلحمله على الاستيلاء نوع مناسبة ولأن حروف الجر يستعمل بعضها مكان بعض فيجوز أن يكون إلى بمعنى على وهذا تكلف بارد والتسوية عطف على الأصل أي والأول أوفق أيضا للتسوية المرتبة عليه بالفاء المشار إليه بقوله فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ البقرة : 29 ] فإن الاستيلاء والغلبة يقتضي سبق وجود المستعلي عليه والفاء يقتضي تأخر وجوده فيتنافيان وحمله على استيلاء إيجاده لا على نفسها فلا يقتضي تقدم الوجود نهاية في التعسف . قوله : ( والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية أو جهات العلو ) كما يقتضيه قوله : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قوله أو جهات العلو ناظر إلى كون المراد بالأرض جهة السفل كما أن الأول ناظر إلى كون المراد به معناه الظاهري وهو الغبراء لكن إرادة الجهة السفل بالأرض لها وجه في الجملة وأما تفسير السماء بالجهة العلو هنا فلا يظهر له وجه إذ قوله : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ لا يلائمه وارتكاب التأويل بما لا يخلو عن تكلف لا يناسب جزالة النظم الجليل مثل أن يقال إن ذكر القصد إلى هذه الأجرام لا ينافي قصد ما عداها موافقته للصلة وهي كلمة إلى لأن تفسيره بالقصد يناسب لفظ إلى الواقع فيه لأن القصد مما يتعدى بإلى وأما كونه أوفق للتسوية المترتبة عليه بالفاء بقوله فَسَوَّاهُنَّ [ البقرة : 29 ] لأن معناه التعديل ونفي العوج وهو أنسب للقصد المستوي المترتب هو عليه من معنى الاستيلاء بمعنى التملك فالمعنى ثم أراد تسوية السماوات فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ . قوله : والمراد بالسماء هذه الأجرام يدل عليه جمع الضمير في العائد إليها في فَسَوَّاهُنَّ فإفراد السماء لإرادة الجنس . قوله : أو جهات العلو فعلى هذا الأولى ضمير المفعول في فَسَوَّاهُنَّ مبهما يفسره ما بعده لأن جهات العلو ليست بمفعوله سماء بل السماء فعلت وخلقت فيها قيل يرد على قوله أو جهات العلو اعتراض هو أن جهة العلو إنما تتحدد بعد خلق السماء وأيضا العلو جهة واحدة من الجهات الست المشهورة فلا وجه لجمعه ويمكن أن يجاب عنه بأن المحدد الجهات جسم واحد فيجوز أن يكون العرش المجيد وهو قبل خلق الأرض والسماوات السبع على ما سيذكر ويتحدد به الجهات وبأنه يجوز أن تفرض الجهة كما يفرض اليوم وتفرض متعددة فإن الجهة مقصد المتحرك الأيني فيجوز أن يتعدد بتعدد المتحرك .