اسماعيل بن محمد القونوي
76
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
جميع الناس بقوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] إلى قوله : خالِدُونَ [ البقرة : 25 ] وهي النعم التي أشار إليها المص في أواخر قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا [ البقرة : 39 ] الآية بقوله واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وعقبها تعداد النعم العامة إلى خاطب أهل العلم والكتاب منهم وأمرهم أن يذكروا نعم اللّه عليهم الخ والخاصة هي النعم التي خصت بني إسرائيل من الإنجاء من فرعون والغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل وهذا نعمة على آبائهم وعليهم إدراك زمن الرسول عليه السّلام كذا بينه المص في قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 40 ] الآية فمن ذهب في توضيح النعم إلى خلاف ذلك فقد عدل عن سواء السبيل واستقبح صدور الكفر أي الكفر الواقع منهم أي من الكفرة من القبيلتين واستبعده أي الكفر عنهم عن المؤمنين وفيه إشارة إلى ما ذكرناه من الانكار بالنظر إلى الكفار انكار للواقع ومعناه التوبيخ والاستقباح وبالنظر إلى المؤمنين انكار للوقوع وأنه مستبعد منهم سواء كان المراد من المؤمنين المؤمنين بالفعل فيكون استبعادا للكفر بعد الإيمان وللارتداد بعد الايقان والمؤمنين بالقوة أي المشارفين فيكون استبعادا للكفر وبقائهم عليه بل الاحتمال الأخير أولى بالمقام ولا كلام في حسن هذا البيان وإنما الاشتباه في إرادتهما معا من اطلاق واحد ولا ضير فيه لأن المراد معنى واحد وهو الانكار والتعدد والتغاير من الإضافة فلا محذور قوله معصية المنعم الإضافة إلى المفعول . قوله : ( فإن قيل كيف تعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر ) منشأ السؤال ادعاء أن كل واحد واحد من تلك الأمور نعمة يجب الشكر عليها والحمل على التغليب خلاف الظاهر مع أن الإماتة الثانية ليست منها لأنها هادم اللذات وتخريب البلاد والعباد . قوله : ( قلت لما كانت وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية كما قال اللّه تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ العنكبوت : 64 ] كانت من النعم العظيمة ) أي والإماتة وإن لم تكن إنعاما في نفسها لكنها وصلة إلى النعم الباقية الحقيقية فبهذا الاعتبار تعد نعمة عظيمة ولو قيل الإماتة لكونها مشتملة على الشدة والكربة نعمة في نفسها لكونها مكفرة للذنوب والوصول إلى ما أعد لهم عند علام الغيوب كما ورد في الأخبار أن الموت تحفة المؤمن وأن المؤمن إذا مات لقي السرور المؤبد لم يبعد هي الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها وهو المراد بالحقيقية هنا لا مقابل المجاز قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ العنكبوت : 64 ] لهي دار الحياة الحقيقية فإن قيل هذا في حق الأبرار وأما في حق الكفار فلا قلنا إن الإماتة في حقهم نعمة أيضا لكنهم أضاعوها كما أضاعوا نعمة الحياة فلا إشكال . قوله : واستقبح صدور الكفر منهم واستبعده منهم الظاهر أن استقباح الكفر في حق الكافرين واستبعاده في شأن المؤمنين يرشدك إليه تكرير منهم وكلا المعنيين مفاد بقوله كَيْفَ تَكْفُرُونَ [ البقرة : 28 ] فإنه استقباح من هؤلاء واستبعاد من هؤلاء .