اسماعيل بن محمد القونوي

66

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

معنى التعجب والإنكار فلو أوهم لفظ استفهام بجهل المتكلم لاحترز عن التعبير بالاستفهام في كل موضع ليس فليس وأيضا الاستخبار طلب الخبر كما أن الاستفهام طلب الفهم فمن أين الفرق بينهما وكلام الاتقان متقن قوله فيه إنكار أي إنكار كفرهم إنكار واقعي للتوبيخ وتعجيب أي حمل المخاطب على التعجب فإن هذا من أشنع الغرائب وأعجب العجائب فتعجب يا من شأنه التعجب والإنكار والتعجيب من المعاني المجازية فيلزم الجمع بين معنيين مجازيين وهو جائز عند المص لكن صاحب الإرشاد حنفي المذهب وقد جمع أيضا بين المعنيين المجازيين وكثيرا ما يتبع المص في مثل هذا وهو عجب منه فالوجه اختيار العموم المجازي أو الاستفهام لإنكار الواقع مجازا والتعجيب مستفاد من الفحوى لا من النظم والمبني وكلام المص يمكن حمله على هذا ويؤيده قوله فإذا انكر أن يكون الخ حيث اكتفى بالإنكار ولم يتعرض للتعجيب وتعرضه للاستخبار لكونه استخبارا في الأصل لا لأنه مراد هنا فلا إشكال بأنه يلزم الجميع بين الحقيقة والمجاز على أنه لو سلم ذلك لا ضير فيه لأنه أيضا جائز عند المص ألا يرى أنه صرح به في أكثر المواضع أنه استفهام للتقرير أو للإنكار أو غيرهما ولم يرد أن الاستفهام مراد وكذا هنا « 1 » وفي بعض النسخ وقع التعجب من الفعل بدل التعجيب ولما كان التعجب محالا عليه كسائر الكيفيات النفسانية يحمل على غايته وهو الاستفهام وقد مر تفصيله في بيان الاستحياء وقيل معنى التعجب هنا أنه يتعجب منه كل عاقل يطلع عليه أي أن التعجب هنا ليس من المتكلم لاستحالته بل من المخاطب مثل لعل فإن الترجي ليس من المتكلم لكونه محالا بل قد يكون من المخاطب وقد يكون من غيره وقد اشبع الكلام في قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] . قوله : ( بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني لأن صدوره لا ينفك عن حال وصفة فإذا انكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها استلزم ذلك إنكار وجوده فهو أبلغ وأقوى في إنكار الكفر من لا تَكْفُرُونِ ) أي كلمة كيف سؤال عن الحال فإذا لم يكن حمله قوله : فهو أبلغ وأقوى في إنكار الكفر من أتكفرون لأن اتكفرون إنكار الكفر نفسه وكيف تكفرون إنكار حال الكفر فالإنكار بكيف كان كإثبات الشيء بالبينة حيث توصل بإنكار لازم الشيء على إنكار الشيء ولما كان أتكفرون بمنزلة إنكار المدعي وكيف تكفرون بمنزلة إقامة البرهان عليه

--> ( 1 ) قيل والظاهر أن جميع ما في القرآن من باب التعجب المسوق من جهة اللّه تعالى فالمراد منه التعجيب المخاطب المسمى بالتعجب لعلوه تعالى عن الاتصاف بالتعجب انتهى وقد عرفت أن الحمل على الغاية جائز بل راجح ثم قال والعجب من صاحب التيسير أنه قال كيف للتعجب كما في قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ النساء : 50 ] أي تعجب يا محمد فإنه موضع التعجب لك وللتعجيب وهو حمل الناس على التعجب كما في هذه الآية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ [ البقرة : 28 ] الآية ولم يدل أنه لا فرق بين الآيتين إلى آخر ما قاله مما لا طائل تحته فإن مراده أن كيف يكون للتعجيب نحو انظر كيف يفترون على اللّه الكذب وللتعجيب كما هنا ولا ينكر أن التعجب لا يمكن هنا ولا أن التعجيب لا يمكن هناك بل أشار إلى صحة كل من المعنيين في الآيتين بل كل موضع وقع فيه كيف ولا يمكن حمله على حقيقته بطريق صنعة الاحتباك .