اسماعيل بن محمد القونوي

58

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

إلا بعده أو معه وقد حملت الآية عليهما انتهى ولعل سر ذلك أن الوحدانية ونحوها يتوقف عليها الشرع فلا بد من تقدم العهد المأخوذ بالعقل والعمل به على العهد المأخوذ بالرسل والتمسك به وأما المعية فالمراد المعية زمانا وتقدمه عليه ذاتا لازم لما عرفت من أن توحيده ووجوب وجوده وعلمه موقوف عليه للشرع فلا بد من تقدمه ولوذانا وأما وجوب النظر في تحصيلها فمختلف فيه فعند الأشاعرة هو بالشرع وعند غيرهم بالعقل كذا في الحاشية الخسروية وقال الإمام المراد بهذا الميثاق الحجة القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسوله فعلى هذا يلزم الذم لأنهم نقضوا ما أبرم اللّه تعالى من الأدلة التي كرر عليهم في الأنفس والآفاق وأودع في العقول وبعث الأنبياء عليهم السّلام وانزل الكتب مؤكدا لها والناقضون على هذا الوجه جميع الكفار . قوله : ( وقيل عهود اللّه ثلاثة عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته وعهد أخذه على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه ) أي العهود التي أخذها اللّه تعالى من الخلق ثلاثة عهود نوعا الأول أنه عهد أخذه اللّه تعالى على جميع ذرية آدم سواء كان مأخوذا بالعقل أو كان مأخوذا بالنقل وبالرسل عليهم السّلام إشارة إلى قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [ الأعراف : 172 ] قوله بأن يقروا بربوبيته الأولى أو التمكن به حتى يوافق ما سيحققه في قوله تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الأعراف : 172 ] وعهد أخذه على النبيين بالتبليغ وإقامة الدين وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يختلفوا في هذا الأصل وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام اللّه تعالى وأما فروع الشرائع فمختلفة لقوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] الآية فالمراد بالدين الأحكام الاعتقادية وقد يستعمل في عموم الأحكام اعتقادية أو عملية ولا يصح هذا هنا وهذا العهد علم من قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [ الأحزاب : 7 ] الآية وحاصله أنه تعالى أخذ منهم عهودهم بتبليغ الرسالة والدعوة إلى التوحيد وصلة الأخذ من وتعديته بعلى لتضمنه معنى كلف أي أخذه اللّه تعالى مكلفا عليهم وهذا العهد أخذه بطريق التمثيل أيضا وكذا الكلام في عهد العلماء وإليه أشير في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] الآية والظاهر أن المراد هنا الوجه الأول إذ الآية الكريمة مسوقة لذم الضالين الذين بسبب ضلالهم أنكروا ضرب المثل وما ذكر من المعايب والمثالب يلائم ذلك إذ قطع ما أمر اللّه والافساد في الأرض شأن الكفار وأما الوجهان الأخيران فذكرهما استطراد تتميما للاقسام أما عهد الأنبياء فظاهر إذ لا يتصور النقض وأما قوله : عهد أخذه على جميع ذرية آدم وهو قوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ [ الأعراف : 172 ] وهو العهد الأول وعهد أخذه على النبيين وهو قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [ الأحزاب : 7 ] . قوله : وعهد أخذه على العلماء وهو قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] .