اسماعيل بن محمد القونوي

488

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

داخلة على المتروك اعتبر ثمنا وحاصله أن الاشتراء استعمل هنا للرغبة عن الشيء طمعا في غيره وقد أشبع الكلام في تحقيق هذا المرام في تفسير قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] الآية والرد المراد في قوله يردون التصيير وإن أريد به الرجوع فحينئذ فيه إشارة إلى أنهم قبل ذلك مرة أخرى في أشد العذاب وهو في القبر وحينئذ يكون دليلا على عذاب القبر ثم إن فيه بيان أن الدنيا مع أنها دار تكليف قد يقع فيها الجزاء من الخزي والهوان وأنه غير كفر لذنوبهم فإن الكفر كما هو المختار هنا غير مكفر أصلا . قوله : ( بنقص الجزية في الدنيا والتعذيب في الآخرة ) لما ذكر عذابهم أولا في الدنيا والآخرة وذكر عدم تخفيف عذابهم ثانيا حمل المصنف عدم التخفيف على عدمه في الدنيا والآخرة لرعاية التناسب والأكثرون حملوه على نفي التخفيف والنصرة في الآخرة واختاره الإمام الرازي ولكل وجه والأولى تخصيص المقال في دار الانتقام والسؤال كقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ [ البقرة : 48 ] إلى قوله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] إذ نفى تخفيف عذاب الآخرة والنصرة أشد تهويلا وأقوى تقريعا مع أن نفي تخفيف عذاب الدنيا والنصرة محل نزاع إذ الكفار مغلوبون في أكثر الأوقات قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] أعيد لفظة لا للتنبيه على نفي كل منها على الاستقلال وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوية الحكم ولرعاية الفواصل وأما القصر فلا يناسب المقام وإن كان له وجه في الجملة في إفادة المرام . قوله : ( يدفعهما عنهم ) أشار إلى أن النصرة « 1 » أخص من المعونة لأن النصرة مختصة بدفع الضرر ولما كانت الآية الكريمة في شأن اليهود لا يرد الإشكال بتخفيف عذاب نحو أبي طالب حتى يحتاج إلى الجواب بأن عذابه المستحق خفيف بالنسبة إلى من عداه ممن تعدى بالإيذاء واستهزاء الشريعة واستخفاف فقراء الموحدين أو تخفيفه في القبر دون دار الخلود وما ذكره المصنف في سورة الزلزلة من أن حسنة الكفار لعلها تؤثر في نقص العقاب مؤول بمثل ما ذكرنا إذ بالحسنات تتفاوت مراتب كفرهم بالنسبة إلى من جمع الفسق والظلم وسائر المعاصي مع الكفر فعذابه اللائق به خفيف بالنسبة إلى ذلك الجامع بينهما والمصر على إيذاء النبي عليه السّلام وسائر المؤمنين الكرام فلا تخفيف بالنسبة إلى عذابهم اللائق بهم وبهذا يحصل التوفيق بين النصوص الناطقة بعدم تخفيف عذابهم وبتخفيفه ويحتمل أن يكون عدم التخفيف كما والتخفيف كيفا ولك أن

--> ( 1 ) أي جبرا وقهرا وأما تعميمه الشفاعة كما فعله أبو السعود فغير مناسب لأنه ذكر مقابل الشفاعة في قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي [ البقرة : 48 ] الآية كما فصل المصنف هناك .