اسماعيل بن محمد القونوي

478

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الحمل المواطئة وهو الاتحاد الخارجي والتغاير الذهني وهذا هو الذي أراده صاحب الكشاف بقوله ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني إنكم قوم آخرون غير أولئك المقربين ولا يريد أنهم آخرون في الخارج لأنه ينافي الحمل الموطئة وكذا الكلام في قولك أنت ذاك كأنه قدر في نفسه أنه شخص آخر بحسب الذهن مع الاتحاد في الخارج . قوله : ( وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضورا وباعتبار ما سيحكى عنهم غيبا ) هذا دفع لما يكاد أن يقال إنه كيف يصح جعله في حال واحدة غائبا وحاضرا فأجاب « 1 » بأن ذلك الجعل بالاعتبارين جعلهم حاضرا بناء على ما أسند إليهم من الميثاق والإقرار به والشهادة عليه فلما علموا بذلك كأنهم شوهدوا بالإبصار فاستعمل فيهم ضمير المخاطب الذي وضع لا أن يكون خطاب بالمعين فخوطبوا بأنتم وجعلهم غيب بتعبيرهم باسم الإشارة الذي هو غائب وإن كان محسوسا مشاهدا باعتبار ما سيحكى عنهم من قوله تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 85 ] ولما لم يعلموا بعد بهذه الأوصاف جعلوا غيبا حيث قال هؤلاء إذ لا مقتضى لاعتبار حضورهم بالأوصاف التي لم تذكر بعد ولم يعلموا بها فاجتماع المتقابلين بالاعتبار مما لا كلام في حسنه ولهذا الدقيقة الرشيقة عدل عن مقتضى الظاهر وهو أن يقال ثم أنتم بعد ذلك التوكيد نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم وإنما قال باعتبار ما سيحكى مع أنه قال أولا باعتبار ما أسند إليهم للإشارة إلى أن صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون للاستمرار أي قتلتم أنفسكم واستمرتم على ذلك تقتلون أنفسكم والكلام فيه مثله فيما مر آنفا وفي قوله تعالى : وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً الآية عدل عن تلك الاستعارة التي روعيت في قوله تعالى : وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 ] تنبيها على حسن اختيار المسلكين في الموضعين وهذا إذا قيل إن المراد من قوله تعالى : وَلا قوله : وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضورا وباعتبار ما سيحكى عنهم غيبا يعني عدهم باعتبار ما أسند إليهم بالفعل من فعلي التعيين المذكورين والإقرار والشهادة حاضرين فخوطبوا بصنع الحضور باعتبار ما سيسند إليهم فيما بعد بقوله تقتلون وتخرجون غائبين فعبروا بلفظ المظهر الدال على الغيبة والصفة وهو لفظ هؤلاء لأن فيه دلالة على صفة نقض الميثاق المبين فيما بعد باستئناف الجملة الواردة على حكاية حالهم في نقض العهد ومناسبة الأمر الحالي للحضور والمآلي للغيبة غير خفية لذي اللب وأما التعبير عنهم بلفظ الغيبة في قوله عز وجل : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 83 ] وبلفظ الحضور في وإذ أخذنا ميثاقكم فلأن الأول إخبار من اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بأخذ ميثاق أسلاف بني إسرائيل وهم غيب عند الإخبار بذلك والثاني وقع بالخطاب إجراء له على سنن الخطاب في الالتفات المذكور في توليتم وسلكا له مسلك الخطابات الواردة بعده لأنه مقتضى الظاهر .

--> ( 1 ) وقيل أراد بالأول إسناد الإقرار والشهادة لأنهما يوجبان القرب وبالثاني قتل أنفسهم لأن المعاصي توجب العبد ولا يخفى أنه لا يناسب المقام على أن الخطاب في موضع الخطاب شائع في فصل الخطاب كما مر في قوله ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ على طريق الالتفات لمزيد التوبيخ بالخطاب .