اسماعيل بن محمد القونوي

472

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المراد ببني إسرائيل أهم الآباء أو الأبناء أو مجموعهما والمراد بالميثاق إنزال التورية أو المأخوذ بالعقل وقد لخصنا المرام بعون اللّه الملك العلام . قوله : ( والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضا بالقتل والإجلاء عن الوطن ) « 1 » أي نهى أن يتعرض الخ على وجه . قوله : ( وإنما جعل قتل الرجل غيره ) يعني أن ظاهره ليس بمراد إذ العاقل لا يقدم على ( قتل نفسه ) حتى ينهى عنه فالكلام محمول على المجاز « 2 » ومن هذا قال وإنما جعل قوله ( لاتصاله به نسبا أو دينا ) أي اتصال الرجل بذلك الغير أو اتصال الغير بذلك الرجل قوله : بالقتل والإجلاء نشر على طريق اللف فإن القتل ناظر إلى السفك والإجلاء إلى الإخراج . قوله : وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه هذا المعنى مستفاد من إضافة الدماء إلى ضمير المخاطبين إذ ظاهر المعنى لا تسفكون دماء أنفسكم ومقتضى الظاهر أن يقال لا تسفكون دماء غيركم يعني جعل غير الرجل لاتصاله به من جهة الأصل أو الذين بمنزلة نفسه ثم نسب إلى نفسه ما كان منسوبا إلى ذلك الغير فهو من باب المجاز العقلي في الإضافة لأدنى ملابسة على طريقة صوم النهار وطاعة الليل فسقط بما ذكرنا ما قال بعض الأفاضل إن كونه من باب المجاز ليس بمعهود وإنما المجاز ذكر الملزوم وإرادة اللازم وهذا ليس كذلك ظنا منه أن المراد بالمجاز المجاز اللغوي ولو سلم أنه من باب المجاز اللغوي يمكن أن يقال إنه من باب المجاز المستعار بأن شبه سفك دماء غيرهم بسفك دماء أنفسهم لاتصال بينهما نسبا ودينا فاستعمل في المشبه ما هو موضوع للمشبه به فيكون من قبيل الاستعارة المصرحة التبعية وهذا هو الأوفق بقوله جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه الخ وأيضا يمكن أن يكون من المجاز المبني على الكناية كقولك لمن لا يد له هو رحب اليد ولمن لا كلب له أنه جبان الكلب ولمن لا فصيل له أنه مهزول الفصيل مريدا أنه جواد فإن سفك دماء أنفسهم لازم لسفك دماء غيرهم فذكر اللازم وأريد الملزوم وإنما قلنا إنه من المجاز المبني على الكناية دون أنه كناية لعدم صحة إرادة معنى اللازم فيه فإن صحة إرادته شرط في الكناية فإن الكناية لا تنافي إرادة المعنى الموضوع له اللفظ وهذا انسب لمعنى القصاص المراد بقوله رحمه اللّه أو لأنه يوجبه وقيل هو من اطلاق اسم المسبب على السبب فإن سفك إنسان دم غيره سبب لسفك دم نفسه فذكر المسبب وهو سفك دم نفسه وأريد به السبب الذي هو سفك دم غيره فمعناه النهي عن سفك دم الغير على أبلغ وجه وآكده وإن كان في صورة الإخبار وكل مما ذكر من وجهي الاستعارة والمجاز جار في قوله عز وجل : وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 ] تعين ما سلف تقريره .

--> ( 1 ) ولم يتعرض للإخراج لظهوره وما قيل من أن إخراج الإنسان نفسه عن دياره معهود حقيقة كما إذا ارتحل رجل عن دياره باختياره فهو مخرج نفسه عنها فمدفوع إذ لا معنى للنهي عنه ولا لأخذ الميثاق لأجله . ( 2 ) أي المجاز المرسل إذ اطلاق اسم أحد الملابسين على الآخر مجاز مرسل مشهور ويمكن أن يجعل استعارة تشبيها للغير بنفسه في النسب أو الدين وأثبت للنفس ما أثبت للغير ترشيحا للاستعارة وهو ترشيح للمجاز المرسل في الصورة الأولى أيضا .