اسماعيل بن محمد القونوي

458

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( إن استولت عليه ) أي إن أحاطت استعارة تبعية وتحتمل أن تكون استعارة تمثيلية وقد مر توضيحه قوله ( وشملت ) أي عمت ( جملة أحواله ) أي الظاهرة والباطنة بأن يكون عاصيا بلسانه وأركانه وجنانه ولهذا قال وهذا إنما يصح في شأن الكافر ( حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه ) . قوله : ( وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه ركنا ) واختار كون الإقرار ركنا هنا كما هو الظاهر من عبارته وما يفهم من كلامه في تفسير قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 3 ] الآية الترجيح بكفاية التصديق ولك أن تقول إن مراده بإقرار لسانه الشرطية لا الركنية فيلائم ما مر وإلا فأشار إلى المسلكين في الموضعين والمعنى لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه أو سوى تصديقه وإقرار لسانه ( فلم تحط الخطيئة به ) لأن تصديقه استولى وغلب على قبائح الجوارح وأما الكافر فإن لم يكن له سوى الكفر فقد أحاطت الخطيئة به إذ أعمال جوارحه محيطة وهباء منثور . قوله : ( ولذلك فسرها ) وفسرها الزمخشري بكبيرة من الكبائر بناء على مذهبه وهو أن صاحب الكبيرة مخلد في النار وعذابه دون عذاب الكفار قوله ولذلك فسرها ( السلف بالكفر ) فيه رمز إلى أن تفسير صاحب الكشاف بالكبيرة مخالف لقول السلف مع معاندته للحق لأن المعتزلة جعلوها محبطة لثواب الطاعات فكأنها ساترة لها كما أن المحيط ساتر للمحاط وقد دل الدليل القاطع على أن صاحب الكبيرة له نجاة وفوز إلى النعيم ولو بعد العذاب بنار الجحيم فلا جرم أن المراد الكفر لأنه هو الساتر المحيط والقرينة على إرادته لفظ الإحاطة وقوله وَهُمْ فِيها خالِدُونَ والسيئة وإن كانت أعم من الكفر فيراد بها الكفر هنا بتلك القرينة وإطلاقها عليه حقيقة إن أريد بها مفهومها لكن في الخارج إنما تقع عليه أو مجاز إن أريد بها خصوص الكفر . قوله : ( وتحقيق ذلك أن من أذنب ذنبا ) أي اقترفه ففي الكلام تجريد وجواز كونه مفعولا مطلقا ضعيف ( ولم يقلع عنه ) أي بالتوبة أو بكسب الأعمال الصالحة ( استجره ) أي جر ( إلى معاودة مثله والانهماك فيه ) والسين للطلب كأنه طلب من نفسه الجر أو للتأكيد ( وارتكاب ما هو أكبر منه ) أي استجر إلى ارتكاب الخ لاعتياده المعاصي وهان عنده اقتراف المناهي مع أن النفس مجبولة على حب الملاهي ( حتى تستولي ) أي تغلب ( عليه الذنوب ) أي اكتسابها ( وتأخذ بمجامع قلبه ) أي بأطرافه كأن كل طرف منه مجمع لما يحصل ويوجد فيه من الأحوال والأوصاف ومعنى الأخذ هنا الغلبة والاستيلاء كأنه ذهب عنه زمام الاختيار ولهذا قال ( فيصير بطبعه مائلا إلى المعاصي ) وأشار بقوله فإنهم لما كانوا في الدنيا ملازمي أسباب النار من المعاصي صاروا في الآخرة ملازمي النار فكانوا كأنهم أصحابها .