اسماعيل بن محمد القونوي

436

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا المنافقون خاطبوا بهذا المقول ( لأعقابهم ) أي لأتباعهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا فحينئذ يكون المراد بالبعض الأول المنافقين وهو الأوفق للسياق . قوله : ( إظهارا للتصلب في اليهودية ومنعا لهم عن ابتداء ما وجدوا في كتابهم فينافقون الفريقين ) تمهيد لنفاقهم الفريقين أما المؤمنون فلقولهم آمنا مع أنهم لم يؤمنوا وأما أعقابهم فلإظهارهم أن لا يكون منكم تحديث في الزمان المستقبل ويريدون به أنهم لم يحدثوا في الزمان الماضي والحال أنهم حدثوه حيث قالوا حين ملاقاة المؤمنين ورسولكم المبشر به في التورية وإطلاق النفاق على الثاني لغوي وعلى الأول شرعي . قوله : ( فالاستفهام على الأول تقريع ) أي إنكار للواقع بمعنى أن التحديث وقع منكم لكن ما كان ينبغي أن يقع ذلك فعلم أن المضارع على هذا التقدير بمعنى الماضي اختير إما لحكاية الحال الماضية أو للاستمرار . قوله : ( وعلى الثاني إنكار ) أي إنكار للوقوع وهو الإنكار الإبطالي بمعنى أن التحديث لم يقع منكم بعد ولا يقع أيضا في المستقبل ولذا عطف عليه قوله ( ونهى ) ميلا إلى حاصل المعنى وإلا فما معنى النهي هنا ولما كان الاستفهام في المعنيين للإنكار وإن كان فرق بينهما بأن كان في الأول لإنكار الواقع وفي الثاني الإنكار الوقوع تبين أن قوله تقريع أي توبيخ تفنن في البيان مع الإشارة إلى المراد بالإنكار في الاحتمالين يعرفه من ذاق حلاوة البيان في حل المسلكين واخر هذا الاحتمال لضعفه إذ قوله وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 14 ] أولا وعطف جملة وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ عليه يلائم الأول فإنه يقتضي كون المنافقين معاتبين وأيضا إظهار الإيمان عند ملاقاة المؤمنين شائع غير متصور الكتمان وتحديثهم بما فتح اللّه على المؤمنين معلوم بالعيان فكيف يتصور منهم نفاق الفريقين ولذا نقل عنهم في أول السورة . وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] الآية ومن هذا تبين أن هذا الاحتمال لا يكاد يصح ولعل لهذا قال صاحب الإرشاد « 1 » وهذا مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل . قوله : فالاستفهام على الأول تقريع لأن التحدث قد صدر ووقع من منافقيهم فوبخهم الكفرة الخلص منهم وعاتبوهم عليه بأن قالوا أتحدثونهم الآن بما وجدتم في كتابكم من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى الثاني إنكار ونهي فإن التحدث بذلك لم يقع ولم يصدر من غير المنافقين فغرض المنافقين من هذا الاستفهام الانكار والمنع من التحدث في الزمان المستقبل أي لا ينبغي أن يصدر منكم التحدث بذلك في الاستقبال بل شأنكم التقرر والتصلب على دينكم فنافقو المؤمنين الخلص بقولهم عندهم آمنا بأن دينكم حق ورسولكم هو الذي وجدنا نعته في كتاب التورية ونافقو الكافرين الخلص منهم بأن قالوا لهم أتحدثونهم الآية أي اسكتوا عندهم عما وجدتم في التورية من حقيقة دينهم ورسولهم ولا تخبروا به وتصلبوا في دينكم .

--> ( 1 ) صاحب أبو السعود .