اسماعيل بن محمد القونوي
433
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
التفتازاني لا يخفى أن فيما أقروا شاهدا على فساده حيث علقوا الأمر بالاستطاعة وانتهى بالمشيئة وهما لا يتقابلان وكأنهم أرادوا بالأمر غير الوجوب على معنى افعلوا ما شئتم ( وإن شئتم فلا تفعلوا ) وهذا التوجيه بحسب التأويل ودعوى ظهور الفساد بناء على الظاهر فلا منافاة لكنه توجيه بارد فعلى هذا يكون تحريفهم بحسب التأويل والتفسير لأنهم حملوا الأوامر على الإباحة مطلقا وهذا تأويل بما يشتهونه لا تحريف بحسب الزيادة مع أنهم اتفقوا على ذلك فالحق إن السكوت من توجيه كلامهم الذي من تلقاء أنفسهم أحسن من الاشتغال بالتوجيه ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر . قوله : ( أي فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة ) أي شك مستفاد من التغيير بما عقلوه « 1 » لا بما علموه فإن العقل مستعمل في الإدراك الكلي إدراكا جاز مطابقا للواقع لأنه في الأصل القوة العاقلة ثم أطلق على ما يدرك بها . قوله : ( إنهم مفترون مبطلون ) قدر المفعول هكذا دفعا لتوهم التكرار فإن مفعول ما عقلوه كلام اللّه تعالى واختيار الجملة الاسمية وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لفرط التأكيد في اللوم والتوبيخ ولو قال ولم يكن لهم فيه شك لكان أقوى في الارتباط وكأنه أراد الإشارة إلى الفرق بين ما عبر بالعقل وبين ما عبر بالعلم إذ العلم قد يستعمل في الظن ولو مجازا بخلاف التعقل وفيه نظر لا يخفى واختيار المضارع هنا مع اختيار الماضي فيما قبله لإرادة الاستمرار أو لحكاية الحال الماضية مع المراعاة للفاصلة . قوله : ( ومعنى الآية ) أي حاصل معناها أو معناها بطريق الإشارة ( أن أحبار هؤلاء ) فيه تنبيه على أن المراد بالفريق في قوله وقد كان فريق منهم أحبارهم وعلماؤهم لأنهم الذين يقدرون على التحريف والتغيير وهذا مطابق للوجه الأول وهو المختار عنده ولم يلتفت هنا إلى كون المراد السبعين المختارين لأنه وجه مرجوح مرذول قوله ( ومقدميهم ) بفتح الدال جمع مقدم إشارة إلى أن المراد بأسلافهم فيما مر هم الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام وانقرضوا قبل نزول هذه الآية والقول بأنه أشار به إلى أن المراد بالسلف بالذات لا بالزمان ضعيف إذ لا يطلق السلف على مثل ذلك لا في اللغة ولا في العرف ( كانوا على هذه الحالة ) وهي الكفر مع التحريف وتغيير كلامه تعالى وهو إضلال عظيم مع علمهم وتعقلهم ( فما ظنكم بسفلتهم وجها لهم ) أي الظاهر أن المتأخرين من الجهلة قلدوهم لأنهم أخذوا دينهم من أحبارهم فلا إشكال بأنه كيف يلزم من إقدام بعضهم على التحريف حصول البأس من إيمان باقيهم فإن الجهلة في كل عصر يأخذون الأحكام من العلماء ويقتدون كل الاقتداء والفاء في فما للسببية وما للاستفهام الإنكاري ( وإنهم إن كفروا ) أي الجهال ( وحرفوا فلا ) عجب لأن ( لهم سابقة في ذلك ) أي الكفر والتحريف بالنسبة إلى الجهلة مشكل والكلام في الجهلة والسفلة ولو اكتفى بالكفر لكان أولى إلا أن يقال معنى
--> ( 1 ) قوله وفي وهم يعلمون إشارة إلى أنه أقبح إذ الجاهل قد يعذر دون العالم المتجاسر .