اسماعيل بن محمد القونوي
425
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بين الأحجار المذكورة فإن مطلق التأثر مشترك بين التأثرات المخصوصة المذكورة في النظم الكريم ومن هذا أسقط أولا لفظة من ثم قال فإن منها كذا الخ لكن هذا البيان ينتظم كون المعنى أنها في القساوة مثل الحجارة أو القلوب زائدة عليها في القسوة لأن من الحجارة تتأثر دون القلوب فهي زائدة عليها وأما على كون المعنى إنها مثلها أو مثل ما هو أشد منها فكون وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ تعليلا للتفضيل مشكل لأن هذه الجملة لا تفيد كون القلوب مشابهة بما هو أشد قسوة من الحجارة كالحديد فلا يكون تعليلا لذلك وأيضا لا إشعار فيه بأن مثل الحديد أشد من الحجارة قساوة فالصواب الاكتفاء بالوجه الأول فيما سبق . قوله : ( فإن منها ما ينشق فينبع منه الماء ويتفجر منه الأنهار ) قوله ينبع فيه رمز إلى أن المراد من قوله فيخرج منه الماء لكن لا حاجة إليه إذ الخروج هو الحركة من الداخل إلى الخارج وهو متحقق هنا والقول بأن المراد أن خروجه قليلا بحيث يصير منبوعا قليل الجدوى إلا أن يقال إنه حمله على العيون ليحسن التقابل بالأنهار وبين أولا حال تشقق الأرض مع أن تفجر الأنهار منها مقدم ذكرا في النظم تنبيها على أن الواو لمطلق الجمع لا تقتضي الترتيب فالظاهر أن تفجر الأنهار منها بسبب تشقق الأرض فتفجرها مترتب عليه كما نبه عليه بقوله فينبع منه الماء وينفجر منه وأما تقديمه في النظم الجليل فلكثرة الانتفاع بالأنهار بخلاف العيون « 1 » ويؤيده ما قيل من أن قوله ويتفجر عطف على ينبع ولذا ترك منها قوله : تعليل للتفضيل جعل جملة وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [ البقرة : 74 ] الآية اعتراضا وإردا لتعليل تفضيل قسوة قلوبهم على قسوة الحجارة وصاحب الكشاف جعل هذه الجملة اعتراضا ورد بيانا لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً حيث قال وإن من الحجارة بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً والمعنى أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغزير ومنها ما ينشق اشتقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منها الماء أيضا اعترض عليه بأنه يلزم عطف البيان على المبين وهو خلاف الأصل فالأولى أن يقال إنها استئنافية والجملة كما هي مذيلة للتشبيه كقوله تعالى : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 25 ] والدليل على كونها مذيلة قوله وتقرير لقوله أو أشد لأن المذيلة كالمعترضة مؤكدة كما قال في الكشاف في تفسير سورة الأنعام إن التأكيد أيضا نوع بيان فعلى هذا التنكير في قوله بيان وتقرير للتنويع فيكون المراد البيان الذي يحصل بالتذييل فإن الجملة المذيلة قد تفيد ما افادته المعترضة من التأكيد والتقرير قال بعض الشارحين قوله تعالى وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [ البقرة : 74 ] على ما فسره صاحب الكشاف فيه معنى التتميم دون الترقي من الأدنى إلى الأعلى ليكون على وزان قوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ الفاتحة : 1 ] إذ لو أريد الترقي لقيل وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر وهو أبلغ من الترقي أقول هذا المعنى مستفاد من قوله وتقرير فليتأمل ثم قال وقوله وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ تتميم للتتميم .
--> ( 1 ) قال الإمام والمعنى وإن من الحجارة لما يتشقق فيتفجر منه الماء الذي يجري حتى يكون منه الأنهار -