اسماعيل بن محمد القونوي

400

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الأصولي شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه اللّه ورسوله بلا نكير والقول بأن دلالته على أن مراده تعالى واقع وأما على أن الواقع ليس إلا مراده به فلا دلالة له ضعيف فإن دلالته على الثاني لأن معناه كما عرفت أن الاهتداء علق بمشيئة اللّه تعالى فلا يقع بدونها وحاصله أن ما لم يشأ اللّه تعالى لم يكن وعكس نقيضه أن ما كان ووقع ليس إلا مراده « 1 » كما حققوه في قوله عليه السّلام ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن فعلم من هذا البيان أن هذا النظم كما دل على أن الحوادث كلها بإرادة اللّه تعالى دل أيضا على أن ما أراده تعالى واقع البتة وفي هذين المسألتين ينازعنا أهل الاعتزال والآية حجة عليهم بقي أن الاهتداء مصدر غير موجود في الخارج فما معنى إرادة تعلق الإرادة به والجواب أن المراد به الحاصل بالمصدر وهو موجود في الخارج وما ليس بموجود المعنى المصدر النسبي وهو ليس بمراد . قوله : ( وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة ) ووجهه أنه أمرهم بذبحها ثم ارتضى عنهم تعليق الاهتداء لذبحها إلى معرفة البقرة المؤدية إلى معرفة القاتل فلو كانت عينه لم يرتضه بعد وقوع الأمر فدل انفكاكها عنه وهذا معنى قوله ( وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى ) أراد بالشرط التعليق بمشيئته تعالى وقد حقق هذا المرام في علم الكلام . قوله : ( والمعتزلة والكرامية ) عطف على فاعل احتج والكرامية بكسر الكاف وتخفيف الياء أصحاب محمد بن الكرام وقد سبق في بحث الإيمان بيانهم ( على حدوث الإرادة ) أي على حدوث نفس الإرادة وجهه احتجاجهم هو أن يقتضي الحدوث لأنه علق حصول قوله : وإن الأمر قد ينفك عن الإرادة لدلالة الآية على أنا لا نذبح البقرة المأمور بذبحها إن لم يتعلق به مشيئة اللّه تعالى بعد الأمر به . قوله : وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى أي وإن لم يكن الأمر منفكا عن الإرادة بل كان كل ما أمر اللّه به مقرونا بإرادة اللّه تعالى ومشيئته كان الأمر بالذبح ههنا مقرونا بمشيئة اللّه تعالى وإرادته فلا معنى للشرط بالمشيئة بعد الأمر بالذبح إذ لا معنى لأن يقال شاء اللّه أن تذبح بقرة وأمرنا به وأن نذبحها إن شاء اللّه ولا نذبح إن لم يشأ . قوله : والمعتزلة والكرامية عطف على أصحابنا أي واحتجت المعتزلة والكرامية بهذه الآية وهي وإنا إن شاء اللّه على حدوث إرادة اللّه تعالى وجه استدلالهم لأن المشيئة بمعنى الإرادة فمعنى إن شاء اللّه إن وجدت مشيئة اللّه وحدثت فإن كلمة إن للتعليق في الاستقبال فدلت على أن المشيئة لم تحصل بعد وأجيب بأن المعنى إن تعلق به مشيئة اللّه الأزلية والحادث هو تعلق المشيئة لا المشيئة وهذا هو معنى قوله التعليق باعتبار التعلق .

--> ( 1 ) وقيل آخر الأبد إلى آخر الدهر إذ صرح الجوهري في الصحاح بأنّ الأبد الدهر ووافقه الإمام المطرزي في المغرب وابن الأثير في النهاية ثم قال إنما ذكره النحرير مشكل لأن الأبد بمعنى آخر الأوقات لم يقل به أحد من أئمة اللغة وجعل الأبد بمعنى الدهر مجازا عن آخر اجزائه غير موجه إذ لا قرينة صارفة عن الحقيقة انتهى قوله لم يقل به أحد مشكل إذ الاستقراء التام مشكل والناقص غير مفيد ولعل النحرير اطلع عليه وأن معنى ما اختاره هنا واضح .