اسماعيل بن محمد القونوي

377

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ففي الموضعين مسامحة إذ القصة عبارة عن المجموع وكلامه خلاصة ما ذكر في الكشاف لكنه عدل عنه لما ذكر وعبر بعبارة موجزة مختصرة بحيث لو فسرت لأمكن تفسيرها بألفاظ لا يرد ما يرد على ما في الكشاف كأن يقال وكان مقتضى الظاهر أن يقال : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [ البقرة : 72 ] فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها كما ذكره صاحب الكشاف ثانيا لكن فكت باقي القصة عن أولها وقدمت عليه لنكتة دعت إليه وهي التنبيه ( على استقلاله بنوع آخر ) فكان مقتضى الحال ما اختير في النظم الجليل قوله ( من مساوئهم ) أي من معائبهم وفي هذا الكلام إشارة إلى وجه الارتباط إلى ما قبله فالمراد بنوع آخر كونه مغايرا للاعتداء في السبت وسائر ما تقدم من مساوئهم وأما كون المراد به نوعا مغايرا لجناية القتل فضعيف إذ لا مدخل له في الارتباط إلا أن يقال إن مراده أنه لو كان النظم على مقتضى الظاهر ولم يفك القصة عن أولها لكان بحسب الظاهر يظن أنه جناية واحدة ولا يفهم أن ذلك نوع آخر مستقل من مساوئهم فقد وقع في النظم من فك الترتيب ما يضاهيه في بعض القصص وهو من المقلوب المقبول لتضمنه اعتبارا لطيفا قيل أقول إن قصة البقرة لما كانت متضمنة لأمور عجيبة وآيات باهرة ولذا سميت السورة بها أراد تعالى ذكرها مرتين على وجه يتضمن كل من الذكرين فوائد ومقاصد تخرجها عن التكرار وزاد لك بأن حذف من كل وطوى فيه ما يدل عليه الآخر على طريقة الاحتباك إلى آخر ما قال غير النوع الذي تضمنه أول القصة القابلة : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [ البقرة : 72 ] الآية فإن أول القصة أفادت تقريعهم على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة وآخرها وهو قصة الأمر بذبح البقرة أفادت التقريع على الاستهزاء وترك المسارعة إلى امتثال الأمر وما يتبع ذلك فلو عكس بأن قدم قصة قتل النفس على قصة الأمر بذبح البقرة لكانت قصة واحدة وفات الغرض وهو تثنية التقريع فإن فك الترتيب أدل عليه من ذكره على الترتيب وفي الكشاف فإن قلت فما للقصة لم تقص على ترتيبها وكان حقها أن تقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها واعترض عليهما بأنه ليس من حقهما أن يقدم ذكر القتيل والأمر بالذبح على الأمر بالضرب ببعضها كما قال وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها وأجيب بأن المراد أن من حق الآية التي ذكر فيها القتال والضرب أن تقدم على التي ذكر فيها الأمر بالذبح ورد ببقاء الاشكال فإن الاشكال فإن الآية جمع ما ذكر فيه القتل والضرب وفي تقديمه تقديم الضرب على الذبح وهو خلاف ترتيب القصة وأجاب الفاضل الطيبي بأن معنى سؤاله كان من حق الآية المذكور فيها القتل والضرب التقديم على الآية المذكور فيها الأمر بالذبح بشرط التقديم والتأخير يعني أن تقدم ذكر القتل على الأمر بالذبح ويؤخر عنه الأمر بالضرب بدليل قوله وأن يقال وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [ البقرة : 72 ] الخ ورد بأن ظاهر قوله وكان حقها أن يقدم ذكر الضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وهو واضح وإنما احقها أن يقدم ذكر القتل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها ينبو عن اشتراط شيء وأن يقال وَإِذْ قَتَلْتُمْ [ البقرة : 72 ] الخ مناف كظاهره وكان آخر كلامه مناقضا لأوله أقول يمكن أن يجاب عن هذا الرد بأن آخر كلامه قومه ودليل على ما قصده بأوله من معنى الاشتراط فليس أول كلامه على ظاهره فلا اشكال .